
قبل أن تغزو الأفران الحديثة القرى العراقية، كان خبز التمن، أو ما يعرف بـ خبز الطابك، سيد المائدة في كثير من البيوت الريفية، ولا سيما في مناطق الأهوار والجنوب. كانت النساء يطحنَّ الرز حتى يصبح دقيقًا ناعمًا، ثم يعجنَّه بالماء ليصنعن منه رقائق رقيقة تُلقى برفق على الطابك الطيني الساخن الموضوع فوق نار الحطب، فتفوح رائحة لا تشبهها رائحة أخرى، معلنة ولادة رغيف ارتبط بذاكرة المكان والإنسان.
لم يكن خبز الطابك مجرد طعام يسد الجوع، بل كان طقسًا يوميًا يجمع أفراد الأسرة حول النار.. الأطفال يترقبون أول رغيف، والرجال يعودون من الحقول ليجدوا الخبز ساخنًا إلى جانب القيمر أو الدبس أو اللبن أو السمك المشوي. وكانت مهارة المرأة الريفية تُقاس بقدرتها على إعداد رغيف متماسك، رقيق، لا يتشقق عند رفعه عن الطابك. واليوم، ومع تبدل أنماط الحياة، غاب خبز التمن عن كثير من الموائد، لكنه بقي حاضرًا في الذاكرة الشعبية بوصفه رمزًا للأصالة والبساطة والاكتفاء. فما إن تُذكر رائحة خبز الطابك حتى تعود صور الأكواخ، ونار الحطب، وصباحات الريف الهادئة، وكأن رغيفًا واحدًا قادر على أن يعيد وطنًا كاملًا من الذكريات، ويختصر حكاية أجيال عاشت على الكدح، لكنها كانت غنية بالمحبة والرضا.