رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
في زمن الحروب الرقميّة هل يولد مجلس عربي للأمن السيبراني؟


المشاهدات 1104
تاريخ الإضافة 2026/07/29 - 3:00 AM
آخر تحديث 2026/07/29 - 11:30 PM

لم يعد الفضاء السيبراني مجالا تقنيا منفصلا عن منظومة الامن الوطني، بل تحول الى ساحة استراتيجية تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والامنية. فالهجمات الرقمية لم تعد تستهدف أجهزة الحاسوب وحدها، بل باتت قادرة على تهديد شبكات الطاقة والمصارف والمطارات والموانئ والاتصالات والمستشفيات ومؤسسات الدولة، بما يجعل الأمن السيبراني واحدا من اهم عناصر حماية الدولة الحديثة.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، تبدو الحاجة العربية الى الانتقال من الجهود الوطنية المنفردة إلى مستوى اوسع من التنسيق والتعاون. ومن هنا تبرز فكرة انشاء مجلس عربي أعلى للامن السيبراني، بوصفه اطارا مؤسسيا يمكن أن يسهم في بناء منظومة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة. لقد حقّقت بعض الدول العربية تقدما مهما في مجال الامن السيبراني، من خلال انشاء مؤسسات متخصّصة، ووضع استراتيجيات وطنية، وتطوير مراكز الاستجابة للحوادث، والاستثمار في بناء الكفاءات البشرية والتقنيات الحديثة. 
فالتحدي لم يعد في غياب القدرات، بقدر ما يكمن في تشتت الجهود وغياب اطار عربي جامع قادر على تنسيقها. إنّ انشاء مجلس عربي أعلى للأمن السيبراني يمكن أن يمثّل خطوة عملية في هذا الاتجاه. ويمكن أن يعمل المجلس ضمن اطار جامعة الدول العربية، مع الحفاظ على استقلال المؤسسات الوطنية، بحيث يكون منصة للتنسيق وتبادل المعلومات والخبرات ووضع السياسات العامة المشتركة.
ومن أهم المهام التي يمكن ان يضطلع بها المجلس وضع استراتيجية عربية مشتركة للأمن السيبراني، تتضمن تحديد مصادر التهديد ومخاطرها، وتحديد البنى التحتية الحيوية التي تحتاج الى حماية، ووضع معايير عربية مشتركة للامن الرقمي وحماية البيانات.
كما يمكن للمجلس أن يعمل على انشاء شبكة عربية للانذار المبكر، تسمح بتبادل المعلومات حول الهجمات والثغرات والبرمجيات الخبيثة، وتساعد الدول الاعضاء على الاستجابة السريعة للتهديدات قبل توسعها وانتقالها عبر الحدود.
وتبرز كذلك اهمية اجراء مناورات سيبرانية عربية مشتركة، تشارك فيها المؤسسات الحكومية والامنية والاقتصادية والجامعات والقطاع الخاص، بهدف اختبار الجاهزية وتحديد نقاط الضعف وتطوير آليات التنسيق في حالات الطوارئ الرقمية.
ولا يمكن بناء منظومة عربية قوية من دون الاستثمار في العنصر البشري. لذلك يمكن للمجلس ان يدعم انشاء برامج تدريب عربية مشتركة، وتبادل الخبراء، ومنح دراسية متخصصة، ومراكز بحثية تعمل على تطوير حلول عربية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتشفير وتحليل البيانات واكتشاف الهجمات.
كما يمكن ان يكون المجلس نواة لدعم صناعة عربية للامن السيبراني. فالدول العربية تنفق مبالغ كبيرة على شراء الحلول التقنية من الخارج، في وقت تمتلك فيه المنطقة طاقات بشرية وعقول شابة قادرة على تطوير شركات ومنتجات تنافسية اذا توافرت لها البيئة المناسبة والتمويل والدعم المؤسسي. وهنا تبرز اهمية الانتقال من مفهوم مستهلك التكنولوجيا الى منتج المعرفة. فالمستقبل لن يكون للدول التي تشتري أحدث الأنظمة فقط، بل للدول التي تمتلك القدرة على فهم التكنولوجيا وتطويرها والتحكم بها.
ومن المهم أن لا يتحول المجلس المقترح الى مؤسسة بيروقراطية جديدة تضاف الى المؤسسات القائمة، بل يجب أن يقوم على هيكل مرن وفعال، يركز على تبادل المعلومات والتنسيق العملي والاستجابة السريعة. كما ينبغي ان يضم إلى جانب ممثلي الدول خبراء من الجامعات والقطاع الخاص ومراكز الابحاث، لأن الأمن السيبراني مجال سريع التطور ولا يمكن ادارته بالاساليب التقليدية وحدها. وقد يكون من المفيد ان تبدأ الدول العربية بتشكيل نواة اولى للمجلس من الدول التي تمتلك تجارب متقدمة في هذا المجال، على أن تكون مهمتها وضع التصور العام للنظام الاساسي، وتحديد آليات التعاون، ثم توسيع المشاركة تدريجيا لتشمل جميع الدول العربية. إن الفكرة لا تعني انشاء قوة سيبرانية موحدة بالضرورة، ولا تعني التدخل في الشؤون السيادية للدول، بل تقوم على مبدأ التعاون والتنسيق وتبادل الخبرات. فالتهديدات الرقمية عابرة للحدود، ومواجهتها تحتاج الى تعاون يتجاوز الحدود السياسية. لقد اثبتت التجارب الدولية ان الدول التي تمتلك آليات للتنسيق وتبادل المعلومات تكون أكثر قدرة على مواجهة الهجمات السيبرانية. ومن هنا، فان بناء امن جماعي رقمي عربي يمكن ان يتحول الى احد اهم مشاريع التعاون العربي في المرحلة المقبلة.
إنّ انشاء مجلس عربي اعلى للامن السيبراني ليس مجرد فكرة تقنية، بل مشروع استراتيجي يرتبط بحماية الاقتصاد والسيادة الوطنية واستقرار المجتمعات. وفي عالم تتحول فيه الصراعات من ساحات القتال التقليدية الى شبكات الاتصالات والبيانات والخوارزميات، يصبح امتلاك القدرة على حماية الفضاء الرقمي جزءا من امتلاك القرار الوطني.
ولذلك فان السؤال لم يعد هل تحتاج الدول العربية إلى التعاون في مجال الأمن السيبراني، بل كيف يمكن تحويل هذا التعاون إلى مؤسسة فاعلة وقادرة على الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن استيراد الحلول الى صناعة المعرفة، ومن الجهود المنفردة إلى منظومة عربية متكاملة. فالمستقبل قد يشهد تزايدا في الحروب الرقمية، والدول التي لا تستعد لهذا المستقبل قد تجد نفسها امام تهديدات لا ترى طائراتها ولا تسمع صواريخها، لكنها قادرة على تعطيل اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها.
ومن هنا، يمكن أن يكون المجلس العربي الاعلى للامن السيبراني خطوة نحو بناء مفهوم جديد للامن العربي، يقوم على حماية الحدود الرقمية كما تحمى الحدود الجغرافية، ويضع الامن السيبراني في موقعه الطبيعي بوصفه احد اهم مكونات الامن الوطني والعربي في القرن الحادي والعشرين.
فمن يملك القدرة على حماية فضائه الرقمي، يملك جزءا اساسيا من سيادته، ومن يتعاون في مواجهة التهديدات الرقمية، يكون اكثر قدرة على حماية مستقبله .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير