
في العراق آخر واحد ينتظر الراتب هو الموظف. ليس لأنه زاهد فيه زهد الأخوة الفاسدين الذين طالما “ثبرونا” قبل صولة الفجر بالنزاهة والعدالة والتبتل والتقشف, بل لأن قائمة طويلة من المطالب والطلبات تنتظر ليلة أن تزف وزارة المالية بشرى توزيع الرواتب. الموظف وبقدر حاجته الماسة لهذا الراتب, فإن المطالب تبدأ بوجبات دسمة من “الدليفري” في الأسبوع الأول من عملية التوزيع موزعة بين الشاورما والكنتاكي مع “الفنكر” وقوطية البيبسي لتنتهي آواخر أيام الشهر بقائمة دسمة هي الأخرى لكن من الديون المستحقة.
لدى الموظف نفقات أخرى حاكمة مثل نفقات الدولة الحاكمة لكن بدون حسابات ختامية , مع أن حسابات الدولة الختامية طلعت هي الأخرى ليست ختامية بل قابلة للتأجيل سنة وسنتين وثلاثة و” أشوفك ذاك اللي بكلبي وضوكك ماي”. 11 عاما على سبيل المثال لا أحد يعرف كم فلس دخل وكم فلس خرج, وكيف انفق هذا الفلس. وأي نفقات حاكمة تخضع للحساب وأي نفقات أخرى تبقى مخفية حتى تظهر صولة مثل صولة الفجر لتظهر الأموال على شاشات التلفاز بدءا من أموال الحاج نور زهير الى نفقات الحاج عدنان الجميلي التي لحد الآن لا أحد يعرف كم تبلغ؟ وهل إنتهت أم لا يزال حبل البحث على الجرار؟ وهل أن الجميلي هو وحده من إدخر كل هذه الأموال أم هناك من سيكون التالي بعد زهيرها ونورها وعدنانها الى علائها وحسينها وسواهم ممن لايزال التحقيق جاريا بحقهم لكن بكتمان شديد, برغم أن الناس بدأت تتساءل هل يستمر هذا الكتمان؟ والى أي مدى؟ وهل سوف تشمل الحيتان والحاتات؟
في العراق ولأن الدولة دولة رواتب فإن الموظف لايقبض الراتب نهاية الشهر طبقا للإستحقاق الوظيفي وطبقا للدرجات الوظيفية المحددة طبقا لسلم الرواتب المفقود في كل وزارة أو جهة حكومية, بل أن الذي يحصل في الواقع هو القبض على الراتب قبل أن يدخل الجيب. في الدول الريعية أقل ما يقال عن الراتب إنه بلا بركة. لماذا؟ لأنه مدفوع مقدما وبالتالي فإن الموظف في الغالب لايتمكن من تحقيق أدنى متطلبات المعيشة كون كل شيء محسوب سلفا لكن بدون خدمات توازي ماينفق من جيب الموظف. الموظف العراقي دون موظفي الدول الأخرى أو في غالبيتها على الأقل ينتظر شهرا كاملا حتى يأتيه الراتب الذي يتعين عليه تدبير أموره الحياتية بموجبه, مع حساب ماعليه أن يدفعه للدولة مقابل خدمات مثل الكهرباء الترمش والماء الشحيح أصلا مع إنه يدفع خدمات الكهرباء مرتين مرة للحكومة ومرة لأبي المولدة. الأمر نفسه ينطبق على نفقات أخرى قد لايغطيها هذا الراتب بحيث يلجأ الموظف إما الى البحث عن شغل إضافي وإن لم يتوفر يلجأ الى السلف إن كان بين الموظفين أو بين العوائل لتدبير ما يمكن تدبيره. يحصل هذا في دولة يخرج من منازل ومزارع وحدائق بعض موظفيها أموال مسلفنة وأخرى غير مسلفنة وكلها أرقام مليارية في وقت لايزال الكلام يجري عن رواتب بالفلاسين.