رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
قراءة في الدلالات السياسية لزيارة الزيدي إلى طهران بعد واشنطن


المشاهدات 1042
تاريخ الإضافة 2026/07/27 - 10:01 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 11:41 PM

لم تعد السياسة الخارجية في عالم اليوم تُقرأ من خلال البيانات المشتركة وحدها ولا تُفهم بالضرورة عبر المؤتمرات الصحفية أو التصريحات الرسمية بل باتت الصورة نفسها وثيقة سياسية قائمة بذاتها تحمل من الدلالات ما قد تعجز عنه الكلمات، فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تعتمد اللغة المنطوقة وحدها وإنما توسعت لتشمل لغة الرموز والإشارات والبروتوكولات حتى أصبح ترتيب محطات الزيارة وطبيعة الأماكن التي يقف فيها القادة والخلفيات التي تُلتقط أمامها الصور عناصر مدروسة بعناية ضمن منظومة الاتصال السياسي ورسائل مقصودة تُوجه إلى الداخل والخارج في آن واحد .
ومن هذا المنطلق تكتسب الزيارة التي أجراها رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أهمية تتجاوز إطارها البروتوكولي ولا سيما أنها جاءت بعد فترة وجيزة من زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة ولقائه في البيت الأبيض، فالتقارب الزمني بين الزيارتين منح المراقبين فرصة لقراءة التحركات العراقية ضمن سياق أوسع يرتبط بطبيعة السياسة الخارجية التي يسعى العراق إلى ترسيخها في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.. وخلال الزيارة إلى واشنطن استوقف المتابعين الحوار الذي دار بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي حين أشار ترامب إلى حادثة مقتل الجنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس بقوله “ لقد قتلتُ سليماني وقُتل شخص آخر من العراق في الحادثة نفسها لذلك لا أعرف إن كنت قد أسديت لك معروفاً أم لا؟ ” فجاء رد الزيدي هادئاً ومقتضباً “ لم أكن في السياسة حينها وزيارتي اليوم للتحدث عن المستقبل ”،  ذلك الرد لم يكن مجرد إجابة دبلوماسية لتجاوز موقف محرج بل عكس فلسفة سياسية تقوم على عدم الارتهان لإرث الصراعات والانطلاق نحو بناء علاقات تستند إلى المصالح المشتركة وآفاق المستقبل وهي مقاربة تنسجم مع طبيعة الدور الذي يحاول العراق أداءه في محيطه الإقليمي بوصفه دولة تسعى إلى بناء جسور التواصل مع مختلف القوى الدولية بعيداً عن منطق الاستقطاب والمحاور المتصارعة .
 غير أن المشهد الأكثر حضوراً في الزيارة إلى طهران لم يكن ما دار في قاعات الاجتماعات المغلقة بل تلك اللقطة التي ظهر فيها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو يصطحب رئيس الوزراء العراقي إلى معرض ضم صور الشخصيات التي تُعرف في إيران والعراق بـ ” قادة النصر” وقد حظيت هذه الصورة باهتمام إعلامي واسع ليس لأنها وثقت محطة بروتوكولية عادية وإنما لأنها فتحت الباب أمام قراءات متعددة في مجال الاتصال السياسي والدبلوماسية البصرية.. فالعلوم السياسية الحديثة تنظر إلى الرموز بوصفها أحد أهم أدوات القوة الناعمة، إذ لا تقتصر الدول في التعبير عن مواقفها على الخطابات الرسمية وإنما تلجأ إلى توظيف الذاكرة الوطنية والرموز التاريخية في المناسبات الرسمية لتقديم سرديتها الخاصة حول الهوية والتاريخ والقيم السياسية، ومن هذا المنظور فإن إدراج معرض يضم صور شخصيات ذات رمزية وطنية ضمن برنامج استقبال وفد رسمي يُعد ممارسة معروفة في الأعراف الدبلوماسية تعكس رؤية الدولة المضيفة لتاريخها ورموزها أكثر مما تمثل بالضرورة رسالة مباشرة تجاه طرف بعينه.. ولهذا فإن قراءة هذه الصورة بمعزل عن سياقها الدبلوماسي قد تقود إلى استنتاجات متعجلة بينما تقتضي القراءة الأكاديمية وضعها ضمن إطار أوسع يتعلق باستخدام الصورة بوصفها وسيلة اتصال سياسي، فالدبلوماسية المعاصرة كثيراً ما تعتمد الإيحاء بدلاً من التصريح وتترك للمتلقي مساحة للتأويل واستنباط المعاني وهو ما يمنح الرسالة عمقاً وتأثيراً يمتدان إلى ما بعد انتهاء الزيارة نفسها .
لقد أصبحت الصورة اليوم جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الرسمي للدول، ولم يعد اختيار الخلفيات أو ترتيب محطات الزيارات مسألة عفوية أو خاضعة للمصادفة بل يخضع لتخطيط دقيق يراعي الرسائل المراد إيصالها إلى الرأي العام المحلي وإلى القوى الإقليمية والدولية، ولهذا أولت مدارس العلاقات الدولية اهتماماً متزايداً بمفهوم “الاتصال البصري”، وعدّته أحد أهم أدوات الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين. وفي المقابل فإن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس بقدرة الدول على إرسال الرسائل فحسب بل يعتمد أيضاً على قدرة الشركاء والمراقبين على قراءتها في ضوء المصالح والسياقات الاستراتيجية بعيداً عن ردود الأفعال الآنية أو التأويلات الانفعالية، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي ومكانته السياسية يقف عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية معقدة الأمر الذي يفرض عليه انتهاج سياسة متوازنة تحفظ مصالحه الوطنية وتُبقيه في موقع القادر على الحوار مع الجميع لا المنخرط في صراعات الآخرين. ومن هنا فإن تعاقب الزيارتين إلى واشنطن ثم طهران لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق المفاضلة بين العواصم ولا بوصفه انتقالاً من محور إلى آخر وإنما باعتباره تجسيداً لسياسة عراقية تسعى إلى تنويع شراكاتها الخارجية والانفتاح على مختلف القوى الدولية والإقليمية وفق مبدأ المصالح الوطنية المتبادلة، وفي السياق ذاته فإن الصورة التي جمعت الزيدي بالرئيس الإيراني أمام صور “ قادة النصر” تمثل مثالاً واضحاً على أن الصورة السياسية لم تعد مجرد توثيق للحظة بل أصبحت خطاباً متكاملاً يحمل رسائل ورموزاً تتداخل فيها الذاكرة بالتاريخ والدبلوماسية بالاتصال السياسي . 
وهكذا تثبت التجارب المعاصرة أن عدسة المصور أصبحت شريكاً لصانع القرار في إنتاج المعنى السياسي، وأن الصورة قد تكون في كثير من الأحيان أكثر بلاغة من البيان الرسمي لأنها تختصر موقفاً وتستحضر ذاكرة وتبعث برسائل متعددة المستويات دون أن تنطق بكلمة واحدة، وبين بروتوكول الزيارات وحسابات السياسة تبقى الصورة إحدى أكثر أدوات الدبلوماسية تأثيراً لأنها لا تكتفي بتسجيل الحدث بل تسهم في صناعة دلالاته ورسم الكيفية التي سيُقرأ بها في الوعي السياسي المحلي والدولي.


تابعنا على
تصميم وتطوير