رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حرب الأغذية تجعل الطعام مصدراً للخوف


المشاهدات 1033
تاريخ الإضافة 2026/07/27 - 9:56 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 11:40 PM

منذ اصابتي بالمرض اللعين الخبيث اجريت خمسة عمليات جراحية كبرى ثم بدات بالعلاج الكيمياوي والاشعاع .. الكل يسالني ماذا تاكلين؟هل لديك شهية للطعام في حين يمكنهم من نظرة واحدة معرفة انني لا استطيع الاكل بحرية فقد نزل وزني اكثر من 40كيلو غرام في فترة المرض!!
يتحدثون وكأن الطعام هو وحده العلاج الشافي .. 
لم يعد الإنسان المريض في زماننا يخشى الجوع بقدر ما يخشى الطعام نفسه ،فمع كل صباح تمتلئ منصات التواصل بعشرات المقاطع التي تحذر من مادة غذائية، وتمجّد أخرى، حتى أصبح الواحد منا يقف حائرًا أمام صينية البيت أكثر مما يقف أمام رفوف الصيدلية.
مريض السكري يسمع أن الفاكهة ممنوعة، ومريض الضغط يتلقى قائمة طويلة من المحظورات، ثم يجد من يقلل من أهميتها ،أما مريض السرطان، فيعيش وسط سيل لا ينتهي من النصائح الغذائية، وكل متحدث يقدم وصفته وكأنها الحقيقة المطلقة.
في السنوات الأخيرة برزت مدارس غذائية متعددة، وانتشرت لقاءات وبرامج لأطباء ومختصين، من بينهم من اشتهر بأنظمة غذائية مثل الكيتو ..ونظام الطيبات وغيره ولكل فريق مؤيدون يعتقدون أنهم وجدوا الطريق الصحيح، بينما يسعى آخرون إلى إثبات أن منهجهم هو الأفضل. المشكلة ليست في تعدد الآراء العلمية، فالعلم يتطور بالحوار والبحث، وإنما في انتقال هذا الخلاف إلى الجمهور بصورة تجعل الناس يشعرون أن كل لقمة قد تكون خطرًا.
وهكذا نشأت لدينا حالة من القلق الغذائي نخاف الخبز،  الأرز، ثم الفاكهة، ثم الزيوت، ثم اللحوم، حتى انتهى بنا الأمر إلى الشك في كل ما نأكل ..والأخطر أن كثيرًا من الناس بدأوا يغيرون أنظمتهم الغذائية اعتمادًا على مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة، دون مراجعة الطبيب أو اختصاصي التغذية.
لقد حوّلت وسائل التواصل الاجتماعي كل هاتف إلى منصة إفتاء غذائي. وأصبح عدد المشاهدات عند البعض أهم من قوة الدليل العلمي، بينما تنتشر العناوين المثيرة لأنها تجذب الجمهور أكثر من التفسيرات الهادئة والمتوازنة. وبين هذا الضجيج يضيع المريض، ويزداد قلق السليم.
إن الأمراض المزمنة تختلف من شخص إلى آخر، وما يناسب مريضًا قد لا يناسب غيره. لذلك لا يمكن اختزال العلاج في وصفة عامة أو نظام واحد يصلح للجميع، مهما كانت شهرة صاحبه أو عدد متابعيه.نحن بحاجة إلى ثقافة غذائية هادئة، تقوم على الأدلة العلمية، وتحترم اختلاف الحالات الطبية، وتدعو إلى استشارة المختصين بدل الانجراف خلف كل مقطع متداول. فالطعام ليس عدوًا، كما أنه ليس معجزة تشفي كل الأمراض. إنه جزء من منظومة صحية متكاملة تشمل التشخيص الصحيح، والعلاج، والنشاط البدني، ونمط الحياة.
لقد تحولت معركة الغذاء من نقاش علمي إلى حرب إعلامية، يدفع ثمنها الناس بقلقهم وحيرتهم. وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال الإنترنت: ماذا آكل؟ ونعود إلى السؤال الأهم: من هو الشخص المؤهل الذي ينبغي أن أستشيره؟
 


تابعنا على
تصميم وتطوير