
استدعى صدام حسين السفيرة الأمريكية في بغداد أبريل غلاسبي إلى مكتبه بحضور وزير الخارجية طارق عزيز في 25 تموز عام 1990، في اتصال هو الأرفع من نوعه بين العراق والولايات المتحدة قبل اجتياح الكويت. في اللقاء، تحدث صدام مطولاً عن وضع العلاقات الأمريكية العراقية بعد عام 1984، وأسباب الخلاف بين البلدين، متطرقاً إلى القضية الساخنة آنذاك بين العراق من جهة وبين الكويت والإمارات من جهة أخرى، لكن القصد الحقيقي من وراء الاستدعاء كان اختبار الموقف الأمريكي إزاء أي صراع قريب بين العراق وجيرانه العرب، وكان الرد الغامض وغير الحاسم لغلاسبي، مؤشراً كافياً لصدام حتى يقوم بمغامرته العسكرية الثانية والتي ستكون الأكثر مأساوية من المغامرة الأولى مع إيران. قيل الكثير عن لقاء صدام غلاسبي، وما زالت الأسئلة كثيرة، ولا توجد إجابات عليها، أو ربما قد تجد إجابة طرف مع غياب إجابة الطرف الآخر، لكن اللافت أن هنالك سيناريوهات متخيلة تم تسويقها إلى وسائل الإعلام، أو رويت في كتب وأصبحت هي الحقيقة البديلة لما حصل تاريخيا، ولعل أبرز هذه السيناريوهات هو سيناريو «خديعة الأمريكيين لصدام حسين شخصيا»، ونصب فخ له وجره للوقوع فيه، ومن ثم القيام بتدمير القدرات العسكرية العراقية التي خرج بها «منتصرا» من الحرب العراقية الإيرانية، وما زالت أسئلة بحاجة الى إجابة من قبيل لماذا تحرك صدام حسين باتجاه خطوة الغزو؟ وهل حقا هنالك سيناريو أمريكي لتوريطه بذلك؟ وهل كانت في كلمات السفيرة الامريكية أبريل غلاسبي أي رسائل أو ضوء أخضر أمريكي يغض النظر عن تحرك صدام العسكري؟ أم هو سيناريو وهمي آخر رسمته القوى القومجية للتباكي على الحليب المسكوب؟
الإجابة عن هذه التساؤلات وتساؤلات أخرى هو محور مقالنا، والتي اعتمدت الدراسة فيه على وثيقة أمريكية سبق ان أوردنا حديث صدام مع غلاسبي نعرض ادناه نص حديث السفيرة غلاسبي دون التلاعب بها، مكتفين بالترجمة الحرفية قدر الامكان.
أبلغ صدام السفيرة في ٢٥ تموز / يوليو أن مبارك رتب لاجتماع وفدين كويتيين وعراقيين في الرياض، ثم في ٢٨ أو ٢٩ أو ٣٠ تموز /يوليو، سيأتي ولي العهد الكويتي إلى بغداد لإجراء مفاوضات جادة. وقد وعد صدام مبارك بأنه «لن يحدث شيء» قبل ذلك. أراد صدام إيصال رسالة مهمة إلى الرئيس بوش: العراق يريد الصداقة، ولكن هل تريدها حكومة الولايات المتحدة؟ تكبّد العراق مئات الآلاف من الضحايا، وهو الآن في فقر مدقع لدرجة أن معاشات أيتام الحرب ستُخفّض قريباً؛ ومع ذلك، ترفض الكويت الغنية حتى الالتزام بقواعد منظمة أوبك. لقد سئم العراق من الحرب، لكن الكويت تجاهلت الدبلوماسية. ستشجع مناورات الحكومة الأمريكية مع الإمارات كلاً من الإمارات والكويت على تجاهل الدبلوماسية التقليدية. إذا تعرض العراق للإهانة علناً من قبل الحكومة الأمريكية، فلن يكون أمامه خيار سوى «الرد»، مهما كان هذا الرد غير منطقي ومدمراً للذات. على الرغم من عدم وضوح رسالته لنا تمامًا، إلا أنها بدت وكأنها مفادها أنه سيبذل جهدًا كبيرًا للتعاون مع دبلوماسية مبارك، ولكن علينا أن نحاول فهم أن «الأنانية» الكويتية والإماراتية لا تُطاق.
شكرت السفيرة صدام على إتاحة الفرصة لمناقشة بعض مخاوفه ومخاوفنا معه مباشرةً. الرئيس بوش أيضاً يرغب في الصداقة، كما كتب في خطابه بمناسبة عيد الاستقلال وعيد العراق الوطني. قاطع صدام حديثها قائلاً إنه تأثر بتلك الخطابات؛ استأنفت السفيرة حديثها، مُذكرةً بأن الرئيس قد كلفها بتوسيع وتعميق علاقاتنا مع العراق. كان صدام قد أشار إلى «بعض الدوائر» التي تُعارض هذا الهدف. صحيح أن هذه الدوائر موجودة، لكن الإدارة الأمريكية تتلقى تعليماتها من الرئيس. من جهة أخرى، لا يُسيطر الرئيس على الصحافة الأمريكية. لو فعل ذلك، لما وُجدت انتقادات للإدارة. قاطع صدام مجدداً ليقول إنه يتفهم ذلك. قالت السفيرة إنها شاهدت برنامج ديان سوير، ورأت أنه رخيص وغير عادل. لكن الصحافة الأمريكية تتعامل مع جميع السياسيين بشفافية تامة - هذه هي طريقتنا. المهم هو أن الرئيس قد أكد مؤخراً رغبته في علاقة أفضل، وأثبت ذلك، على سبيل المثال، بمعارضته لمشاريع قوانين العقوبات. وهنا قاطع صدام مجدداً. ضاحكاً، قال إنه لم يتبق شيء للعراق ليشتريه في الولايات المتحدة، فكل شيء ممنوع باستثناء القمح. وقال صدام: «لا شك أن هذا سيُعلن قريبًا سلعة ذات استخدام مزدوج». ومع ذلك، فقد قرر عدم إثارة هذه المسألة، والتركيز بدلاً من ذلك على القضايا الأكثر أهمية المطروحة.
وقالت السفيرة إن هناك العديد من القضايا التي أثارها والتي تود التعليق عليها، لكنها ترغب في استغلال وقتها المحدود مع الرئيس للتأكيد أولاً على رغبة الرئيس بوش في الصداقة، وثانياً على رغبته القوية، التي نفترض أن العراق يشاركها، في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. أليس من حقنا أن نشعر بالقلق عندما يصرح الرئيس ووزير الخارجية علنًا بأن تصرفات الكويتيين تُعدّ بمثابة عدوان عسكري، ثم نعلم أن العديد من وحدات الحرس الجمهوري قد أُرسلت إلى الحدود؟ أليس من حقنا أن نسأل، بروح الصداقة لا المواجهة، السؤال البسيط: ما هي نواياكم؟ قال صدام إن هذا سؤال منطقي بالفعل. وأقرّ بأنه ينبغي علينا أن نهتم بالسلام الإقليمي، بل إنه واجبنا كقوة عظمى. «لكن كيف لنا أن نجعلهم (الكويت والإمارات) يفهمون مدى معاناتنا؟» الوضع المالي حرج لدرجة أنه سيتعين خفض معاشات الأرامل والأيتام. عند هذه النقطة، انهار المترجم وأحد مدوني الملاحظات وبكيا. بعد استراحة قصيرة للتعافي، قال صدام، في الواقع، صدقوني لقد جربت كل شيء: أرسلنا مبعوثين، وكتبنا رسائل، وطلبنا من فهد ترتيب قمة رباعية (العراق، المملكة العربية السعودية، الإمارات، الكويت). اقترح فهد وزراء نفط بدلاً من ذلك، ووافقنا على اتفاقية جدة رغم أنها كانت أقل بكثير من توقعاتنا. ثم تابع صدام قائلاً: بعد يومين، أعلن وزير النفط الكويتي رغبته في إلغاء تلك الاتفاقية في غضون شهرين. أما بالنسبة للإمارات، فقال صدام: توسلت إلى الشيخ زايد أن يتفهم مشاكلنا (عندما استضافه صدام في الموصل بعد قمة بغداد)، فقال زايد: انتظروا حتى أعود إلى أبوظبي. لكن وزير نفطه أدلى بتصريحات غير لائقة. في هذه اللحظة، غادر صدام الغرفة لتلقي مكالمة عاجلة من مبارك. بعد عودته، سألته السفيرة عما إذا كان بإمكانه إخبارها إن كان قد أحرز أي تقدم في إيجاد حل سلمي للنزاع. كان هذا أمراً يهم الرئيس بوش بشدة. قال صدام إنه علم للتو من مبارك أن الكويتيين وافقوا على التفاوض. سيلتقي ولي العهد ورئيس الوزراء الكويتي في الرياض مع الرجل الثاني في حكومة صدام، عزت إبراهيم، ثم سيأتي الكويتيون إلى بغداد يوم السبت أو الأحد أو، على أقصى تقدير، يوم الاثنين 30 يوليو/تموز. 28. قال صدام: «أخبرتُ مبارك أنه لن يحدث شيء حتى الاجتماع»، ولن يحدث شيء أثناء الاجتماع أو بعده إذا ما منحنا الكويتيون أخيرًا «بعض الأمل». وقالت السفيرة إنها مسرورة لسماع هذا الخبر السار.ثم طلب صدام منها أن تنقل تحياته الحارة إلى الرئيس بوش ورسالته إليه.
ملاحظة: فيما يتعلق بمسألة الحدود، أشار صدام إلى اتفاقية عام ١٩٦١ و»خط الدورية» الذي تم تحديده بموجبها. وقال إن الكويتيين أبلغوا مبارك أن العراق يقع على بعد ٢٠ كيلومترًا «أمام» هذا الخط. وقالت السفيرة إنها خدمت في الكويت قبل ٢٠ عامًا؛ حينها، كما هو الحال الآن، لم نتخذ أي موقف بشأن هذه الشؤون العربية.
تعليق: في ذاكرة السلك الدبلوماسي الحالي، لم يستدعِ صدام سفيراً قط. وهو قلق. وفقاً لنظريته السياسية (الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في الشرق الأوسط)، فهو يحتاج على الأقل إلى علاقة سليمة معنا لأسباب جيوسياسية واضحة، خاصة طالما أنه يرى تهديدات وجودية من إسرائيل وإيران. يعتقد السفير أن صدام يشك في أن قرارنا المفاجئ بالقيام بمناورات مع أبوظبي ينذر بقرار من الحكومة الأمريكية بالانحياز لأحد الطرفين. علاوة على ذلك، فإن صدام نفسه، الذي بدأ يدرك مدى جهله بالولايات المتحدة، يشعر بالقلق من أننا لا نفهم بعض العوامل السياسية التي تعيقه، مثل: - أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يُنظر إليه على أنه يستسلم لسيطرة القوى العظمى (كما حذرنا وكيل وزير الخارجية نزار حمدون بصراحة في أواخر عام 1988)؛ - أن العراق، الذي فقد مئات الآلاف من الضحايا، يعاني، وأن الكويت «بخيلة» و»أنانية». كان من التقدم أن يعترف صدام بمسؤولية حكومة الولايات المتحدة في المنطقة، وأن لها كل الحق في توقع إجابة عندما نسأل العراق عن نواياه. إن رده، الذي يُشير إلى أنه حاول استخدام قنوات دبلوماسية مختلفة قبل اللجوء إلى الترهيب الصريح، يحمل على الأقل قدراً من الصراحة. إن تأكيده على رغبته في تسوية سلمية صادقٌ بلا شك (فالعراقيون سئموا الحرب)، لكن الشروط تبدو صعبة التحقيق. يبدو أن صدام يريد الآن تعهدات بشأن أسعار النفط والإنتاج لتغطية الأشهر القليلة المقبلة.
وبقي أن نقول إن هذه اول مرة يستدعي فيها صدام سفيرا لدولة اجنبية. أنه قلق. طبقا لتنظيره السياسي الخاص (الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة الكبرى في الشرق الأوسط)، أنه يحتاج، كحد أدنى، علاقة سليمة معنا لأسباب جغرافية واضحة، خصوصا طالما أنه يدرك أن هناك تهديدات جدية من إسرائيل وإيران.
السفيرة تعتقد أن صدام يشك بقرارنا المفاجئ لإجراء مناورات عسكرية مع الامارات بأنه اشارة لاتخاذ الادارة الأمريكية قرارا للانحياز ضد العراق.. صدام اوضح بأنه لا يفهم الشؤون الداخلية للولايات المتحدة. وقد ردد صدام بأنه لا يمكن أن يسمح لنفسه بأن يتصوره العالم كزعيم يرضخ لبلطجة قوى عظمى.. وفي الحلقة القادمة سنروي ردود السفيرة على حديث صدام معها.
* أستاذ التاريخ الأمريكي في جامعة بغداد