
لا تُقاس قيمة المبدعين بعدد المناصب التي شغلوها أو الأعمال التي أنجزوها فحسب، وإنما بقدرتهم على تجاوز حدود التخصص الواحد وترك أثرٍ يمتد عبر أكثر من حقل إبداعي. ومن هذا المنطلق يبرز اسم الفنان والإعلامي الراحل حافظ العادلي بوصفه واحداً من الشخصيات التي صنعت حضورها بالعمل الدؤوب والتجربة المتراكمة، فكان ممثلاً ومخرجاً ومعداً ومقدماً للبرامج وكاتباً للسيناريو والدراما ومصمم أزياء وماكياج ورساماً ومدرباً وإدارياً، جامعاً بين الحس الفني والخبرة الإعلامية في مسيرة امتدت لعقود. وقد أسهم هذا التنوع في تكوين شخصية مهنية نادرة استطاعت أن تؤدي أدواراً متعددة داخل المؤسسة الإعلامية والثقافية العراقية، حتى غدا اسمه مرتبطاً بكل مشروع يحتاج إلى الخبرة والابتكار والقدرة على الإنجاز.
البدايات... موهبة تشكلت مبكراً
لم يكن دخول حافظ العادلي إلى عالم الفن وليد الصدفة أو قراراً متأخراً، بل بدأ منذ سنوات الطفولة عندما اعتلى خشبة مسرح المأمون، الذي عرف لاحقاً بمسرح الشعب، مشاركاً بأدوار جماعية في أعمال أخرجها الفنان الكبير بدري حسون فريد. وكانت تلك الخطوات الأولى كفيلة بأن تفتح أمامه أبواباً واسعة لاكتشاف طاقاته، فوجد في المسرح فضاءً رحباً لصقل شخصيته وتنمية قدراته، حتى أصبح يؤمن بأن المسرح هو «سيد الفنون» لأنه المدرسة التي ترفد وسائل الإعلام الحديثة بمختلف عناصرها الإبداعية. ومنذ ذلك الحين لم يعد المسرح بالنسبة إليه مجرد مكان للتمثيل، بل تحول إلى مدرسة للحياة، تعلم فيها الانضباط والعمل الجماعي واحترام الوقت، وهي القيم التي رافقته في جميع محطاته اللاحقة داخل الإذاعة والتلفزيون.
الدراسة وصناعة الشخصية الفنية
واصل العادلي مسيرته التعليمية بالتوازي مع نشاطه الفني، فأنهى الدراسة الإعدادية عام 1970، ثم تخرج في معهد العلوم المالية عام 1973، قبل أن يحقق حلمه الأكبر بالحصول على شهادة معهد الفنون الجميلة عام 1978. ويكشف هذا التنوع الدراسي عن شخصية لم تكن ترى تعارضاً بين المعرفة الأكاديمية والممارسة العملية، بل كانت تنظر إلى التعليم بوصفه دعامة أساسية لتطوير الموهبة.
وخلال سنوات الدراسة لم يكتف بأداء دوره طالباً، وإنما تحول إلى عنصر فاعل في النشاط الفني داخل المعهد، فشارك في أكثر من مئة عمل مسرحي، متنقلاً بين التمثيل ومساعدة الإخراج وتصميم الأزياء وتنفيذها والماكياج والإضاءة، وهو ما أكسبه خبرة عملية شاملة جعلته قادراً على فهم جميع مفاصل العمل المسرحي من الداخل.
الهواية التي تحولت إلى مشروع حياة
ورغم أن الرياضة كانت إحدى هواياته المبكرة، إذ مارس كرة القدم وكرة السلة وألعاب الساحة والميدان والملاكمة، فإن شغفه الحقيقي ظل متجهاً نحو الفن. فقد وجد في المسرح ما لم يجده في الملاعب، ورأى أن الإبداع يمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الذات، الأمر الذي دفعه إلى تكريس جهده لهذا الطريق حتى أصبح الفن مشروع حياته.
وكان عام 1962 محطة مهمة في مسيرته عندما أسند إليه أول دور رئيس في مسرحية «إني أمل يا شاكر» للكاتب يوسف العاني، وهي التجربة التي منحته الثقة بقدراته، ورسخت لديه القناعة بأن المستقبل سيكون على خشبة المسرح.
تعدد الخبرات وصناعة المبدع الشامل
من أبرز السمات التي ميزت حافظ العادلي أنه لم يحصر نفسه في اختصاص واحد، بل آمن بأن الفنان الحقيقي ينبغي أن يمتلك القدرة على فهم جميع مفاصل العملية الإبداعية. ولذلك انتقل بين التمثيل والإخراج والكتابة وتصميم الأزياء والديكور والماكياج والإضاءة، حتى أصبح وجوده في أي عمل يمثل إضافة حقيقية للفريق. وقد انعكس هذا التنوع على زملائه أيضاً، إذ عرف بينهم بسرعة الحفظ وإتقان الأداء، حتى شكل مع الفنانة أحلام عرب ثنائياً يعتمد عليه لإنقاذ الأعمال التي تتعرض للتأخير أو تواجه نقصاً في الكوادر.
وكانت تلك القدرة ثمرة سنوات طويلة من التدريب والانضباط والاحتكاك المباشر بالمسرح.
من طالب إلى معلم
لم يتوقف دور العادلي عند حدود التعلم، بل انتقل مبكراً إلى التعليم والتدريب، وهي مرحلة تعكس حجم الخبرة التي اكتسبها وهو لا يزال في مقتبل العمر. فقد كان يحاضر في معهد الفنون الجميلة صباحاً، بينما يواصل دراسته فيه مساءً، في تجربة نادرة تجمع بين صفتي الطالب والمدرس في وقت واحد. وامتد نشاطه التدريبي إلى مؤسسات عديدة، منها المعهد العالي للأمن القومي وكلية الشرطة ومعهد التطوير الأمني وعدد من الدورات المتخصصة التي أقيمت لمختلف المؤسسات الرسمية والنقابات والمنظمات، وهو ما يؤكد أن خبرته تجاوزت الوسط الفني لتشمل مجالات التدريب والتأهيل المهني.
ولم يكن غريباً أن تتلمذ على يديه عدد من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من الأسماء اللامعة في الساحة العراقية، وهو ما يعكس مكانته العلمية والمهنية في تلك المرحلة.
الأسرة... المدرسة الأولى للإبداع
كان حافظ العادلي يؤمن بأن الإنسان لا يصنع نفسه وحده، ولذلك ظل يردد أن أسرته كانت المصدر الأول لتكوين شخصيته المتعددة المواهب. فقد تعلم من والدته شؤون الحياة اليومية، ومن والده مهارات المطبخ، فيما اكتسب من شقيقته مهارات الأشغال اليدوية، ومن شقيقه عبد الخالق فنون الخياطة وتصميم الأزياء، بينما تعلم من شقيقه علي التمثيل والماكياج، واستفاد من شقيقه جواد في التصميم الطباعي والخط والرسم.
ويكشف هذا التنوع الأسري عن بيئة كانت تشجع الإبداع والعمل اليدوي، الأمر الذي انعكس بوضوح على شخصيته، وجعله أكثر استعداداً لخوض مجالات فنية متعددة بثقة واقتدار.
الانعطافة نحو الإعلام
شكل عام 1967 نقطة تحول حاسمة في حياة العادلي عندما دخل عالم التلفزيون من خلال إعداد برنامج «أنتِ والمرآة» لتلفزيون بغداد، وهي التجربة التي فتحت أمامه آفاق العمل الإعلامي، وأكدت له أن الرسالة التلفزيونية لا تقل أهمية عن العمل المسرحي، بل تمثل امتداداً له بلغة أكثر انتشاراً وتأثيراً.. ومنذ تلك اللحظة بدأ مشروعه الإعلامي يتبلور تدريجياً، فواصل إعداد البرامج وكتابتها، إلى جانب كتابة السيناريو والرواية والقصة والمسرحية، جامعاً بين الخبرة الفنية والقدرة الإعلامية. وقد أسهم هذا التراكم في تكوين شخصية مهنية نادرة استطاعت أن تتحرك بثقة بين المسرح والإذاعة والتلفزيون، لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء سيكون لها أثر واضح في تاريخ الإعلام العراقي.
محطات مهنية صنعت اسماً مؤثراً
ومع اتساع تجربته داخل المؤسسة الإعلامية لم يعد حافظ العادلي مجرد موظف يؤدي واجباته اليومية، بل أصبح عنصراً مؤثراً يعتمد عليه في إدارة المشاريع الإنتاجية وتطويرها. فقد تنقل بين مسؤوليات عديدة، كان أبرزها عمله مؤلفاً ومديراً للإنتاج في وحدة إنتاج التمثيليات، وهي المرحلة التي يعدها من أكثر مراحل حياته المهنية استقراراً وإنتاجاً. وقد جاءت هذه النقلة بعد أن أدركت الإدارة العليا للإذاعة والتلفزيون حجم خبرته وقدرته على العطاء، عندما وجّه المدير العام آنذاك سعد البزاز بنقله من مديرية العلاقات إلى موقع يتناسب مع إمكاناته، ليضاف إليه عنوان وظيفي جديد يجمع بين التأليف والإنتاج، في سابقة تؤكد أن التجربة المتميزة كثيراً ما تفرض نفسها حتى وإن لم تكن الأنظمة الإدارية قد استحدثت لها توصيفاً وظيفياً واضحاً.
ولم تكن تلك المرحلة مجرد انتقال إداري، بل شكلت اعترافاً عملياً بمكانته المهنية، إذ أسهم في إنتاج العديد من الأعمال الدرامية والتلفزيونية، مستفيداً من خبرته الطويلة في الكتابة والإخراج والإنتاج وإدارة الفرق الفنية، قبل أن يحال إلى التقاعد، ثم يعود عام 2006 إلى وزارة الثقافة مديراً للإعلام والعلاقات، ليواصل بعدها نشاطه مخططاً للبرامج في قناة الحضارة، مؤكداً أن الإبداع لا تحده الوظيفة ولا تنهيه سنوات الخدمة الرسمية.
حصاد تجربة ثرية وتقدير مستحق
وعلى الرغم من اتساع مساحة الإنجاز وتعدد المحطات التي مر بها، ظل حافظ العادلي ينظر إلى ما حققه بروح متواضعة، معتبراً أن العمل نفسه هو المكافأة الحقيقية للمبدع. غير أن الوسطين الإعلامي والثقافي كان لهما رأي آخر، إذ حظي بتقدير رسمي ومهني تمثل في حصوله على درع الثقافة من مجلس محافظة بغداد ووزارة الثقافة، فضلاً عن اختياره عضواً في الهيئة الاستشارية للوزارة، ومشاركته الفاعلة في مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب إدارته برامج إعلامية بالتعاون مع مجلس النواب، وتوليه رئاسة الدائرة التلفزيونية في اتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين، فضلاً عن تكليفه بإدارة أعمال رئيس الاتحاد لسنوات عدة، وهي مسؤوليات تعكس حجم الثقة التي اكتسبها عبر مسيرته الطويلة.
قناة الحضارة.. المحطة الأخيرة
مثلت قناة الحضارة آخر محطات حافظ العادلي المهنية، لكنها كانت من أكثرها قرباً إلى نفسه، لأنها وفرت له مساحة واسعة لتقديم خبراته المتراكمة في التخطيط والإعداد والتقديم. وكان من أبرز إنجازاته فيها الإشراف على برنامج صباح الحضارة ، وهو برنامج مباشر استمر ساعتين يومياً، جمع بين البعد الثقافي والإعلامي، وأسهم في تقديم صورة مختلفة عن الإعلام الثقافي العراقي.
ولم يخف العادلي شعوره بالحزن بعد إغلاق القناة، إذ رأى أن توقفها لم يكن خسارة لمؤسسة إعلامية فحسب، بل خسارة لمنبر ثقافي كان قادراً على الاستمرار وخدمة المشهد العراقي، معتبراً أن هذا الإغلاق حرم الثقافة العراقية من نافذة إعلامية كان يمكن أن تؤدي دوراً أكثر تأثيراً في المجتمع.
الإبداع مشروع لا يعرف التقاعد
ولعل أكثر ما يميز تجربة حافظ العادلي أنه لم يؤمن بفكرة التقاعد من الإبداع. فبعد انتهاء خدمته الوظيفية ظل حاضراً في ميادين التأليف والإعداد والتحكيم والكتابة الصحفية، فأنجز ثلاثين حلقة إذاعية عن سيرة الإمام علي عليه السلام لإذاعة الحضرة العلوية المقدسة، وأسهم في تحكيم مئات الحلقات التلفزيونية الخاصة بالمزارات والمقامات، إلى جانب عمله رئيساً للتحرير ونائباً لرئيس التحرير ومديراً للتحرير ومحرراً في عدد من الصحف العراقية، مواصلاً الكتابة والإنتاج حتى سنواته الأخيرة.
وتكشف هذه المسيرة أن حافظ العادلي لم يكن فناناً أو إعلامياً تقليدياً، بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً جمع بين الفن والإدارة والتدريب والإعلام، واستطاع أن يحول تعدد مواهبه إلى منظومة متجانسة من العطاء. لقد آمن بأن الإعلام رسالة، وأن المسرح هو المدرسة الأولى لكل مبدع، وأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل إلا بالممارسة والتجربة. ومن هنا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة الإذاعة والتلفزيون العراقيين بوصفه واحداً من أصحاب التجارب الاستثنائية الذين تركوا بصمة واضحة في أكثر من ميدان، وأسهموا في بناء أجيال من الفنانين والإعلاميين، لتظل سيرته شاهداً على مرحلة زاخرة بالعطاء والإبداع في تاريخ الثقافة والإعلام في العراق.