رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أبعد من فنجان القهوة مقاهي بغداد فضاء للفكر وملاذ للطمأنينة


المشاهدات 1160
تاريخ الإضافة 2026/07/22 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/07/23 - 11:30 PM

حين يكتب المكان سيرته بالناس .. ليست المدن بما تشيده من عمران ولا الاحياء بما ترسمه الخرائط من حدود بقدرما تنسجه الارواح من حكايات وما تحفظه الذاكرة من لقاءات وما يتركه الانسان من اثر يتجاوز عمره ومن بين احياء بغداد تبقى الكرادة اكثر من بقعة جغرافية على الخرائط انها هوية ثقافية واجتماعية ومرآة لمدينة آمنت منذ نشأتها بان الجمال لا يكتمل الا حين يقترن بالمحبة وان المكان لا يخلده الحجر بقدرما ينقش عليه الانسان لحاظ تحاكي الاجيال ، 
وفي قلب هذه الجغرافيا الروحية يتجلى ( مقهى رضا علوان ) كفضاء للفكر ومرفأ للسكينة حيث يتحول فنجان القهوة من تفصيل عابر الى سيرة أثر يمتد من ارث الامس الى طموح اليوم 
في الكرادة .. حيث يتعانق التراث مع روح التطلع وحيث يمتزج عبق المكان بروح بغداد لا تكتب الحكايات بمحض الصدفة انما تصوغها الايام بالاصرار وتخلدها الهمم التي تؤمن ان النجاح ثمرة اجتهاد لا هبة زمان فمنذ ان كانت الكرادة ملتقى للوجوه وموطناً للألفة وموئلا للثقافة وهي تنسج من لقاءات اهلها ذاكرة لا تحفظها الكتب وحدها انما تحفظها القلوب التي شهدت ان الجمال لا يقيم في المكان اننا في الانسان الذي يمنحه روحه 
فهي تصافح اصالة الامس بنبض الحاضر اذ لم تكن المقاهي يوما محطات عابرة لاحتساء القهوة انما فضاءات ولدت فيها الافكار وتعانقت عندها الارواح  وتبادلت فيها الاجيال المعرفة كما تتبادل القلوب الود ، فكم شهدت هذه الارض لقاءات صاغت صداقات امتدت لعقود وحوارات فتحت ابواب الثقافة ومجالس كان عنوانها الاحترام وكانت المحبة فيها اللغة الوحيدة التي لا تحتاج الى ترجمان ، 
ففي مثل هذه البيئات لا تصنع الاسماء قيمتها بما ترثه انما بما تضيفه فثمة اسماء يمنحها التاريخ حضورها الاول ثم ياتي اصحابها ليمنحوها خلودها الحقيقي فمن هنا تتجلى تجربة <> علاء محمد  حسين رضا علوان <> الذي لم يكتف بحمل اسم جده الحاج رضا علوان كإرث يروى بقدرما تحمله مسؤولية آمن بها وعهدا قطعه على نفسه بان يجعل من الاسم مشروع عمل ومن المثابرة منهجا ومن الاخلاص طريقا فارتقى بهدوء الواثق حتى اصبح الاسم علامة يلتقي عندها الذوق والتميز وحسن الضيافة فمضى اليه بخطى لا تعرف التراجع ، 
ولعل اجمل ما يميز هذا المكان انه لم يجعل من القهوة سلعة تقدم انما ثقافة تعاش فهنا لا يبدأ اللقاء بفنجان .. لكنه يبدأ بشعور اذ تنتهي الزيارة عند اخر رشفة فهي تستمر في الذاكرة زمنا طويلا  فرائحة القهوة تعرف الطريق الى القلب قبل ان تدركها الحواس وان الطمأنينة تسكن المكان كما يسكن العطر ذاكرة الورد في مقهى رضا علوان يتراجع صخب الحياة الى الخلف ويولد في الداخل هدوء لا تصنعه الا الاماكن التي عرفت كيف تحترم الانسان قبل ان تستقبله ، 
ولم يكن سر هذا الحضور في جمال المكان وحده انما في الفلسفة التي قام عليها الفلسفة التي ترى ان حسن الاستقبال خلق وان الذوق رسالة وان الابتسامة جزء من هوية المكان وان اللقاء الانساني قيمة لا تقل اهمية عن جودة ما يقدم ولهذا .. اصبح المكان ملتقى لمن يبحث عن لحظة صفاء او حوار ثقافي او صداقة صادقة او فسحة يستعيد فيها الانسان شيئا من نفسه وسط ايقاع الحياة المتسارع ، 
فالحضارات لا تحفظها الجدران انما تحفظها الذاكرة الجمعية ولا تصنعها الابنية بقدرما يصنعها اولئك الذين يحولون المكان الى قيمة واللقاء الى عادة جميلة والمحبة الى ثقافة يومية وهكذا تبقى الكرادة بما تختزنه من تاريخ ووجوه واصوات شاهدة على ان المدن العظيمة لا تقاس بمساحتها انما بما تنجبه من نماذج تؤمن بان النجاح مسؤولية وان الثقافة اسلوب حياة وان الانسان هو اجمل ما يمكن ان يهديه المكان الى المكان ، 
وحين تطوى السنوات صفحاتها ستبقى الاسماء التي صنعت اثرها بالعمل حاضرة في الذاكرة كما تبقى المقاهي التي احتضنت المعرفة والمحبة والصداقة جزءا من سيرة مدينة لا تزال تؤمن بان اجمل ما يورثه الانسان ليس المال ولا الشهرة انما الأثر الطيب الذي يتركه في قلوب الناس . 
 


تابعنا على
تصميم وتطوير