
نظمت اللجنة الثقافية في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين مؤخرا جلسة نقدية بعنوان “بين الرسم والعمارة.. عراقية زها حديد”، حاولت من خلالها إعادة قراءة تجربة واحدة من أبرز المعماريات العراقيات والعالميات، ووضعها في سياق العلاقة المتداخلة بين الفن التشكيلي والمعمار.
حاضر في الجلسة الأستاذ المعماري موفق الطائي، وأدارها وقدمها الناقد د. جواد الزيدي، بحضور نخبة من الفنانين والمعماريين والباحثين والأكاديميين الذين امتلأت بهم قاعة الجمعية، في إشارة إلى الاهتمام المتجدد بإرث زها حديد وتأثيره على المشهد الثقافي العراقي.
واستهل الطائي حديثه بعرض موجز لمسيرة الدكتورة زها حديد المعمارية، مستنداً إلى رؤية أكاديمية تحاول تفكيك البنية الفكرية والجمالية لمشاريعها، لا بوصفها نماذج إنشائية فحسب، بل كامتداد لرؤية فنية تنطلق من الرسم وتتحول إلى فضاء مبني، وأكد أن فهم حديد لا يمكن أن يتم بمعزل عن خلفيتها الاجتماعية والثقافية، وعن البيئة العراقية التي تشكلت فيها ملامحها الأولى، والتي ظلت حاضرة حتى في أكثر تصاميمها تجريداً وحداثة.
ولم يقتصر العرض على الجانب النظري، بل دعم الطائي محاضرته بملف صوري موثق ضم مجموعة من الوثائق والتصاميم والمخططات التي أنجزتها حديد خلال مسيرتها. وقام بفرز دقيق لهذه المواد، مقدما قراءة نقدية وصحفية شاملة تربط بين الخطوط المرسومة يدوياً وبين المباني التي تحولت إلى معالم عالمية، مشيراً إلى أن الرسم عند حديد لم يكن أداة تمهيدية للبناء، بل كان لغة مستقلة تسبق العمارة وتؤس لها.
زها حديد لم تكن مجرد اسم في سجلات العمارة العالمية، بل حالة ثقافية عراقية قادرة على أن تربط بين الإبداع الفردي والهوية الجمعية
وخلال إدارته للجلسة، فتح الدكتور جواد الزيدي باب النقاش أمام الحضور، الذين تناولوا من زوايا مختلفة علاقة الفن بالعمارة في تجربة حديد، وتساءلوا عن إمكانية الاستفادة من منهجها في تطوير التعليم المعماري والفني في العراق.
كما جرت مداخلات حول غياب المشاريع المحلية التي تحمل بصمة معمارية عراقية معاصرة، وضرورة أن تكون قراءة إرث زها حديد مدخلاً لإعادة التفكير في هوية المكان وعلاقته بالحداثة.
وأجمع المتحدثون على أن زها حديد لم تكن مجرد اسم في سجلات العمارة العالمية، بل حالة ثقافية عراقية قادرة على أن تربط بين الإبداع الفردي والهوية الجمعية، وأن قراءتها اليوم تتطلب تجاوز السرد الاحتفائي إلى نقد جاد يفهم كيف تحولت لوحاتها وخطوطها إلى مدن، وكيف ظل الانتماء إلى بغداد حاضراً في كل انحناءة من انحناءات تصاميمها.
واختتمت الجلسة بتأكيد اللجنة الثقافية في الجمعية على استمرارها في تنظيم مثل هذه اللقاءات التي تعيد الاعتبار للشخصيات العراقية المؤثرة، وتفتح حواراً بين الأجيال حول أسئلة الفن والعمارة والهوية في زمن المتغيرات.