رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
«قبر البنت» في الموصل ...حكاية معمارية اغتالتها معاول الإرهاب وتحرسها ذاكرة العالم إبن الأثير


المشاهدات 1127
تاريخ الإضافة 2026/07/20 - 10:48 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 11:51 PM

في الجانب الأيمن لمدينة الموصل، وتحديداً عند «دورة باب سنجار»، يمر العابرون اليوم على مساحة خاوية كانت حتى وقت قريب تضم واحداً من أغرب وأجمل المعالم التراثية في تاريخ المدينة والذي رغم بساطته إلا أنه ترك أثرا بالغا في نفوس أهالي مدينة الموصل ؛ النصب المقبب الشهير بـ «قبر البنت»، أو كما يلفظه الموصليون بلهجتهم المحلية ((قبغ البنت)). هذا المعلم الذي تحول على مدار عقود إلى أيقونة بصرية وفلكة مرورية تزين شوارع المدينة، يختزل في تفاصيله مزيجاً مدهشاً بين الأسطورة الشعبية، والحقيقة التاريخية المغيبة، والنهاية المأساوية التي سطرتها معاول التدمير آبان سيطرة عصابات داعش الإجرامية على مدينة الانبياء والاولياء الصالحين.. ورغم الشهرة الجارفة لاسم «قبر البنت» وتناقل القصص الرومانسية والخيالية حوله، إلا أن الوثائق التاريخية والآثار الرسمية تؤكد أن النصب لا يمت لـ «بنت» بصلة. فالقبر في حقيقته هو مثوى أحد أعظم مؤرخي الحضارة الإسلامية، الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن محمد الجزري الشيباني، المعروف عالمياً بـ  ((إبن الأثير)) (المتوفى عام 630 هجرية / 1232 ميلادية)، وصاحب السفر التاريخي الخالد (الكامل في التاريخ)، حيث دُفن ابن الأثير في مقبرة «قضيب البان» بباب سنجار. وفي أوائل القرن العشرين، ومع هبوب رياح التحديث الحَضَري على الموصل، تقرر شق طرق جديدة وتوسعة الشارع، مما استدعى إزالة المقبرة القديمة، وتقديراً لمكانة هذا العالم الفذ، رفضت بلدية الموصل آنذاك تسوية قبره بالأرض لاعتبارات تاريخية، وقررت الإبقاء عليه في منتصف الشارع الجديد، وحمته ببناء قبة مرمرية أنيقة تقوم على أربعة أعمدة رشيقة ذات تيجان من الطراز الموصلي الفريد، ليتحول الضريح إلى هندسة مرورية بديعة تتوسط الطريق ليتوسد هذا الشارع ويكون معلما دالا للمناطق المجاورة له.
ولكن، كيف تحول قبر المؤرخ الوقور إلى «قبر البنت»؟ ثمة روايات عديدة تفسر هذا الالتباس؛ أبرزها ما كتبته كاتبة بريطانية زارت الموصل عام 1922م، حيث صاغت مقالاً عاطفياً زعمت فيه أن القبر يعود لـ «قديسة ماتت حزناً وكمداً»، وهي الرواية التي لاقت رواجاً واسعاً ، وربما أنها دفنت بالقرب من ضريح الشيخ ابن الأثير وهذا ما أرجحه بحسب روايات آبائنا وأجدادنا عن هذا المعلم .. فيما يذهب مؤرخون آخرون إلى أن ابن الأثير كان معروفاً بين معاصريه بشدة حيائه وهدوئه، فكان العامة يشبهونه بـ «البنت» في خفره، وظل الوصف ملتصقاً بقبره تاريخياً. وأمام هذه التفسيرات المتضاربة، اضطرت السلطات الحكومية لاحقاً إلى وضع لوحة رخامية صريحة على النصب تؤكد هوية القبر، وتذكر المارة بأنه ضريح المؤرخ ابن الأثير، محاولةً تصحيح المفهوم الشائع دون جدوى، إذ ظل اسم «قبر البنت» هو الأقوى في الوجدان الشعبي لأهل الموصل، وبدت جليا أن هذه التسمية كانت الاقوى دلالة على الضريح لعقود مضت.. ومهما كانت التسمية  فلم يشفع التاريخ، ولا جمال العمارة، ولا هوية المؤرخ الإسلامي ولاحرمة لهذا المعلم الفريد معاول الغدر التي طالته ، ففي صيف عام 2014م، ومع سقوط المدينة تحت سيطرة عصابات «داعش»، جابت الجرافات الثقيلة شوارع الموصل مستهدفة هويتها البصرية والتاريخية. وكان «قبر البنت» في مقدمة الضحايا، حيث أقدم عناصر داعش الإجرامية على هدم النصب بالكامل ونبش القبر وتسويته بالشارع، ضمن حملة ممنهجة لطمس الأضرحة والمعالم التراثية التي تميزت الموصل بها لقرون، بدعوى ما أنزل الله بها من سلطان إلا فكر متطرف بعيد عن أي منهج يفرق مابين العبادة والحضارة.
واليوم، ورغم مرور سنوات على تحرير المدينة وغياب الجسد المعماري لـ (قبر البنت) عن ساحة باب سنجار، إلا أنه لا يزال حياً في تفاصيل الحياة اليومية للموصليين؛ إذ ما زال الأهالي وسائقو المركبات يشيرون إلى موقعه الخالي كـ «نقطة دالة» رئيسية  أو لوصف المناطق والأحياء القريبة منه، في تحدٍ واضح لمحاولات محو الهوية المترسخة باذهان الموصليين كجزء من تراثهم وتاريخهم العريق.
وأمام هذا الارتباط الوجداني والتاريخي وثيق الصلة بهوية المدينة، نرفع اليوم مطالبات شعبية وثقافية واسعة نوجهها إلى وزارة الثقافة والسياحة والآثار، وإلى مديرية بلدية نينوى وكل الجهات المعنية، بضرورة التحرك العاجل لإعادة إعمار وتأهيل هذا المعلم التاريخي الهام وفق تصميمه التراثي الأصيل.
 إن إعادة بناء «قبر البنت» لم تعد مجرد رغبة في ترميم قبر او حجر، بل هي ضرورة وطنية وثقافية وحضارية لإعادة واحد من أبرز شواخص الموصل التاريخية إلى خارطتها الحضرية، وتأكيداً على أن هوية أم الربيعين عصية على المحو والنسيان.. نتمنى على الجهات المعنية النظر بإعادة هذا الصرح الموصلي العريق كيلا يمحى جزء من ذاكرة الزمن الجميل للأجيال اللاحقة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير