رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سوق مريدي .. عندما يلبس التاريخ ثوباً جديداً


المشاهدات 1131
تاريخ الإضافة 2026/07/20 - 10:46 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 11:51 PM

لم يكن سوق مريدي يومًا مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان أحد أبرز المعالم الشعبية في بغداد، حتى غدا اسمه مرادفًا للتجارة بكل أشكالها. فمنذ عقود، قصدته العائلات العراقية بحثًا عن كل ما تحتاجه، من الأجهزة الكهربائية وقطع الغيار إلى الكتب والملابس والأدوات المنزلية، حتى شاع بين الناس أن (ما لا تجده في مريدي،  لن تجده في مكان آخر)
إعلان أمانة بغداد عن تحويل السوق إلى سوق نموذجي، مع إنشاء سوق جديد يضم 600 محل لتسكين أصحاب التجاوزات، وتوسعة الشوارع وتأهيل البنى التحتية، يمثل خطوة تستحق الترحيب. فالسوق عانى لسنوات من الازدحام والعشوائية التي أثقلت كاهل المواطنين والتجار على حد سواء، وأصبح الوصول إليه تحديًا يوميًا.
لكن تطوير مريدي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الأرصفة الجديدة أو المحال التي ستُبنى، وإنما بقدرة المشروع على الحفاظ على روح السوق التي صنعت شهرته. فمريدي ليس مبنىً، بل ذاكرة مدينة 
التجارب أثبتت أن الأسواق الشعبية تفقد جاذبيتها عندما تتحول إلى مجمعات جامدة تخلو من نبض الحياة. لذلك فإن نجاح المشروع يتطلب تحقيق التوازن بين التنظيم والحفاظ على الهوية. فالنظافة، والإنارة، والمواقف، والخدمات، وتنظيم البسطات، عناصر مهمة، لكنها يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع حماية الطابع الشعبي الذي منح السوق خصوصيته.
ولا يقل الجانب الإنساني أهمية عن الجانب العمراني. فتخصيص 600 محل للمتجاوزين ينبغي أن يتم وفق معايير عادلة وشفافة والتوزيع بلا محاباة لأن الاستقرار الاقتصادي لمئات العائلات يرتبط مباشرة بهذه الخطوة. فالتطوير الحقيقي لا يقتصر على إزالة التجاوزات، بل يضمن أيضًا عدم الإضرار بأرزاق  الناس.
بغداد بحاجة إلى أسواق حديثة، لكنها تحتاج أيضًا إلى الحفاظ على معالمها التي صنعت هويتها عبر الزمن. وسوق مريدي واحد من تلك المعالم التي تستحق أن تُرمم لا أن تُمحى، وأن تُنظم لا أن تُفقد شخصيتها.
يبقى الأمل أن يتحول هذا المشروع إلى نموذج ناجح في الجمع بين الحداثة والتراث، ليبقى مريدي سوقًا يليق بأهل المدينة، فبعض الأسواق تبيع البضائع. أما مريدي فقد ظل لعقود يبيع شيئًا أثمن… ذاكرة مدينة كاملة.


تابعنا على
تصميم وتطوير