
كان الصيف في بغداد والمدن العراقية يحمل طقوساً اجتماعية متوارثة، لا تقتصر على مواجهة الحر، بل تمتد إلى حفظ خيرات الموسم والاستعداد لأيام الشتاء. ومن بين تلك العادات الجميلة التي رسخت في ذاكرة العراقيين عادة حبّ الرقي، التي كانت النساء يحرصن على جمعه وتجفيفه بعد انتهاء موسم البطيخ. فما إن تكثر ثمار الرقي في الأسواق وتفيض البساتين بمحصولها، حتى تبدأ النساء باستخراج البذور من الثمار الناضجة، ثم غسلها بعناية لإزالة بقايا اللب، قبل نشرها فوق الحصر أو الأقمشة البيضاء تحت أشعة الشمس عدة أيام، مع تقليبها باستمرار حتى تجف تماماً. وبعد ذلك تُحفظ في أكياس قماشية أو أوعية زجاجية لتبقى صالحة لأشهر طويلة.
ولم يكن تجفيف حبّ الرقي مجرد وسيلة لحفظ الطعام، بل كان مناسبة عائلية تشارك فيها الأمهات والبنات والجارات، تتخللها الأحاديث والذكريات وتبادل الخبرات، فتتحول إلى طقس اجتماعي يعزز روح الألفة بين أفراد المجتمع.
وفي ليالي الشتاء أو أثناء السهرات العائلية، كان حبّ الرقي المحمّص يحتل مكانة خاصة بين المسليات الشعبية، إلى جانب الشاي العراقي، إذ يجتمع أفراد الأسرة حول الموقد أو المدفأة وهم يتسامرون ويتبادلون الحكايات، بينما تتناثر قشور الحب في مشهد يكاد يختفي من بيوت اليوم.
كما كان بعض الأهالي يحمصون البذور بالملح في المقالي التقليدية، فتفوح رائحتها الزكية في الأزقة والمحلات الشعبية، لتصبح جزءاً من ذاكرة الطفولة لدى أجيال كاملة. وكان الباعة يعرضونها في الأسواق داخل أكياس ورقية صغيرة، يقبل عليها الصغار والكبار على حد سواء.
ومع تغير أنماط الحياة وانتشار المنتجات الجاهزة، تراجعت هذه العادة شيئاً فشيئاً، إلا أنها ما زالت حاضرة في ذاكرة العراقيين بوصفها إحدى صور البساطة والتكافل الأسري، ورمزاً لاقتصاد البيت العراقي الذي كان يستثمر كل ما تجود به المواسم دون هدر.
إن حبّ الرقي ليس مجرد بذور تُجفف وتؤكل، بل هو حكاية من حكايات الصيف العراقي، وقطعة من التراث الشعبي الذي يستحق أن يُروى للأجيال الجديدة، لأنه يجسد علاقة الإنسان ببيئته، ويعكس حكمة الأمهات في استثمار خيرات الطبيعة وتحويلها إلى تقاليد اجتماعية راسخة بقيت شاهدة على زمن جميل.