
ليس من السهل أن يكتب باحث عن باحث، أو أن يؤرخ مؤرخ لمسيرة مؤرخ آخر، إلا إذا كان يجمعهما هاجس واحد هو الإيمان بأن التراث ليس ماضياً منقضياً، بل ذاكرة حية تصنع هوية الأمم. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب الصديق الدكتور عادل تقي عبد البلداوي « أعلام النهضة التراثية والصحفية في العراق.. مهدي حمودي الأنصاري (عاشق بغداد).. ثمانون عاماً رحلة في خزان التراث وعالم الصحافة»، ليكون شهادة وفاء لرجل كرس حياته لجمع شتات الذاكرة العراقية، وحراسة ملامحها من النسيان.
تكشف مقدمة المؤلف عن علاقة إنسانية وفكرية امتدت سنوات طويلة مع الأنصاري، بدأت في مجلس ثقافي بسيط داخل محل للحلاقة في مدينة الكاظمية، وتحولت إلى صداقة ومعايشة يومية أتاحت للمؤلف أن يقترب من شخصية الأنصاري لا بوصفه صحفياً أو باحثاً فحسب، بل بوصفه إنساناً متسامحاً، واسع الثقافة، زاهداً في الأضواء، لا يحمل في قلبه إلا المحبة لبغداد وتراثها وأهلها. واللافت في الكتاب أن مؤلفه لم يكتفِ بسرد السيرة الشخصية، بل بذل جهداً توثيقياً واضحاً في تتبع أرشيف الأنصاري، الذي يضم آلاف المقالات والقصاصات والوثائق التي لم تكن مرتبة وفق منهج زمني أو موضوعي، فعمل على إعادة تنظيمها وتصنيفها، ليقدم للقارئ صورة متكاملة عن مشروع فكري وإعلامي امتد أكثر من ثمانية عقود، وهو جهد يستحق التقدير لما ينطوي عليه من صبر ودقة وإخلاص للبحث العلمي.
وتتجلى أهمية الكتاب أيضاً في محتواه الثري، الذي يضم عشرات الشخصيات العراقية التي كتب عنها مهدي حمودي الأنصاري خلال مسيرته الصحفية، من أدباء وشعراء ومؤرخين وفنانين ورجال دين وشعراء ومثقفين، أمثال إبراهيم الوفي وعبد السلام حلمي وبدر شاكر السياب ومعروف الرصافي والشيخ جلال الحنفي وعبد الحميد العلوجي وعبد الرزاق الحسني وعبد الكريم العلاف وصادق الأزدي ومحمد القبانجي، وغيرهم كثير. وهذه القائمة ليست مجرد فهرس أسماء، بل تمثل خريطة لذاكرة العراق الثقافية والاجتماعية، كما رآها الأنصاري وسجلها بقلمه على مدى عقود، من خلال إسهاماته الطويلة في الصحافة التراثية والتوثيق، ونتاجاته العديدة في التراث الشعبي وتاريخ بغداد، لا سيما عن مدينته الكاظمية التي أعاد الكتاب نشر عدد منها، مثل « العمارة الشعبية في الكاظمية»، فضلاً عن النذور وعادات وتقاليد الزواج والمعتقدات الشعبية والأمثال البغدادية، وغيرها الكثير. لا تكمن قيمة هذا الكتاب في كونه سيرة ذاتية أو دراسة عن شخصية ثقافية، وإنما في كونه وثيقة تؤرخ لجيل كامل من الباحثين الذين حملوا مسؤولية حفظ التراث العراقي.
وقد نجح البلداوي في أن يجمع بين حرارة الوفاء ومنهجية البحث، فجاء كتابه نصاً إنسانياً وتوثيقياً في آن واحد، يستحق أن يكون مرجعاً لكل من يريد التعرف إلى واحد من أبرز حراس التراث والصحافة الثقاف، وإلى جانب مضيء من تاريخ الحركة التراثية العراقية، التي لا تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات والكتب التي تنصف روادها، وتحفظ سيرهم للأجيال القادمة .