
المونديال ظاهرة حضارية بكل نشاطاتها تعتمد على كل ما تحمله الحضارة من مقومات ترد في تعريفها الشامل الجامع, فهناك من يعرف الحضارة بأنها كل جديد في مجال الماديات وفي مقدمتها الآلة عبر كل الازمان، ويدع كل المشاعر والعواطف وما ينتج عنها لقالب الثقافة , وهناك من يجعل من الثقافة وعاءً كبيرا يتسع للماديات والانسانيات, وهذا هو حال ظاهرة المونديال .
في المونديال كما في الالعاب الاولمبية، وكل منهما تعقد سباقاته كل اربعة اعوام مرة, توجد نشاطات تعبر عن حياة الشعوب وثقافاتها على هامش المسابقات الرسمية لتلك البطولة .. وحتى حين تغيب مثل تلك النشاطات – وهي لا تغيب – فإن التجمعات البشرية الهائلة في المدن التي تقام فيها البطولة ( بلغ عدد الحضور في مدرجات مونديل 2026 الى ما قبل انطلاق مباريات نصف النهائي 6,527,410 ) تتحول الى سجلات مفتوحة لقراءة حياة الناس بوصفهم سكان هذا البلد او ذاك , وتغدو ألبومات صور مزدانه تفصح عن فلسفة الجمال عند هذا البلد او ذاك, وكل هذا يقع في فضاءات الثقافة الانسانية.
وقد كانت للاكاديمية الاولمبية العراقية تجربة رائعة في التغطية الثقافية لمجريات اولمبياد 2024 في باريس، وقد نهض بتلك التغطية إبداعاً الاعلامي المخرج المتألق والصحفي المميز الاستاذ رافق العقابي، وقد حظيت تلك التغطية بدعم المكتب التنفيذي للجنة الاولمبية الوطنية العراقية رئيسا واعضاء, ومتابعة ساندة مباشرة من لدن السيد هيثم عبدالحميد الامين العام للجنة الاولمبية, وكان العراق الوحيد الى جانب قطر الشقيقة في ذلك النشاط الثقافي وتلك التغطية .
كانت التغطية بالصورة الفيديوية والتعليق تجوب المعارض الفنية وتلتقط انفاس المدن لاسيما باريس وكذلك فعاليات الدول المشاركة في ميادين الثقافة والاجتماع وفلسفة الشعوب, وعلى الرغم من ان تلك التغطية لم تأخذ حظها الذي تستحقه من الانتشار لان الفضائيات والمنصات أكثرها يبحث عن الومضات الاخبارية التي سرعان ما تنطفئ مهما حققت من مشاهدات و”لايكات“ في ساعاتها الاولى , فهي كالزبد الذي يذهب جفاء. أما التغطية الثقافية التي قد تفتقد في المشاهدة الاولى لعناصر الانجذاب والدهشة ‘لا انها تستقر لاحقا في العقول والضمائر جمالا ما بعده من جمال وخبرة صالحة للتدوال والانتقال .
حاولنا اعادة التجربة في هذا المونديال 2026 , إلا ان ظروفا ادارية حالت دون ذلك رغم ان الاكاديمية بصفتي مديرها قد تواصلت مع الاستاذ رافق العقابي، وتم الاتفاق على تفاصيل التفاصيل ولكن ما تشاؤون إلا ان يشاء الله رب العالمين .. نتطلع الى ان تشترك المؤسسات الثقافية الرياضية في تغطية الاحداث الرياضية الكبرى التي تقام على المستوى العالمي مثل الاولمبياد والمونديال، وعلى المستوى القاري مثل الآسياد في ألعابه المختلفة, وان تحظى التغطيات الثقافية بمساحات معقولة من بث الفضائيات والمنصات, لان مادتها لا تبور بالتخزين، فهي جميلة صالحة لكل الاجيال ولكل الاوقات, وفيها من النفع في التنشئة والتربية وتراكم الخبرات ما لا تستطيعه التغطية الاعلامية الصرفة القائمة على اللحظة.