
الطريقة التي تعامل بها المغاربة مع إقصاء المنتخب المغربية من دور ثمن نهائيات كأس العالم لكرة القدم الجارية أطوارها في الأمريكيتين تستحق قراءة متأنية عميقة جدا .. فمن حيث الشكل فإن المنتخب المغربي لكرة القدم حقق نتائج مبهرة بأربعة انتصارات وتعادل وهزيمة واحدة ، قارع الكبار وانتصر عليهم وأبعدهم من المنافسة، وضمن لنفسه موقعا متقدما مريحا ضمن المنتخبات الثمانية الأولى في العالم، وأصبح أول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى دور الربع النهائي مرتين متتاليتين، وقدم عروضا كروية مبهرة . وتبعاً لكل ذلك كان من المنطقي أن يحتفي المغاربة بهذا الإنجاز التاريخي، وتنتشر مظاهر الفرح في ربوع البلاد وتتغنى وسائل الإعلام بهذا الإنجاز التاريخي، لكن لا شيء من كل هذا حدث، والذي جرى أن مظاهر الحزن والأسى عمت جميع الأوساط الرياضية والشعبية والسياسية، وغادر اللاعبون وفي أعماقهم غصة الإقصاء، وهي مفارقة لا يمكن أن نجد تفسيرا لها في الانفعالات وردود الفعل المتسرعة، ولا في العواطف والأحاسيس في إطار قراءة سطحية .
الذي حدث أن الإنجاز، رغم أهميته، لم يكن يوازي حجم التطلعات التي أفرزها التراكم الإيجابي في مسار إنجازات وصلت حد الإعجاز، بداية من الوصول إلى مباراة نصف النهاية في منافسات نهائيات كأس العالم في قطر 2022 مرورا بالحصول على كأس العالم لأقل من عشرين سنة والوصول إلى الدور ربع نهائي كأس العالم لأقل من 17 سنة والحصول مرتين على كأس أفريقيا للمحليين وعلى كأس العرب بالمنتخب الثالث وعلى كأس أفريقيا للأمم، وعلى كأس أفريقيا للمنتخبات النسوية وعلى كأس أفريقيا لكرة القدم داخل الصالات أكثر من مرة .
هذا المسار من الإنجازات التاريخية قرّب المسافات التي كانت تبعد كرة القدم المغربية عن التتويج العالمي بالنسبة لفئة الكبار، وأقنع المغاربة بشرعية وأهلية مقارعة الكبار، لذلك حينما لم يتحقق هذا الهدف في هذا المسار كانت الخيبة إلى درجة الصدمة التي لم تترك مجالا للفرح والابتهاج والاحتفال بما تحقق في الدورة الحالية .
القراءة الموضوعية فيما حدث تحتم أيضا التوقف عند ثقافة الاعتراف بالحقيقة، وبالأمر الواقع الذي اكتسبه المغاربة من مسار الإنجازات المتواصلة، فرغم قوة الصدمة وقساوة الإقصاء من أدوار متقدمة تمثل حلما لعشرات المنتخبات الأخرى، لم نسمع بمغربي واحد، سواء كان من عامة الجمهور أو من المحللين والنقاد ووسائل الإعلام، علق خيبة الأمل على صفارات الحكام، رغم أن كثيرا منها كان ظالما ولا مؤامرة الفيفا ولا على مقايضة الأوساط التجارية المتحكمة في مثل هذه التظاهرات الرياضية بسبب هاجس العائدات المالية، وهذا ما احتمى به كثير من المدربين كما الشأن بالنسبة لكبيرهم المدرب الفرنسي وقبله المدرب السويسري وغيرهم، بل الذي حدث أن المغاربة امتلكوا شجاعة كبيرة في الاعتراف بالحقيقة وبالواقع، وأجمعوا على أن المنتخب المغربي استحقّ الهزيمة أمام المنتخب الفرنسي لأنه لم يكن المنتخب الذي عاهد الجمهور على الأداء الجيد من أجل كسب رهان المباراة كما حدث في مرات سابقة مع منتخبات لا تقل قيمة وأداء ووزنا على المنتخب الفرنسي .
وتملك هذه الثقافة مؤشرا على أن التجربة الكروية المغربية تتوفر فعلا على أحد أهم شروط التطور، لأن ثقافة الإنكار والتستر وراء نظريات المؤامرات تعتم على مكامن الخلل وتنكر الأسباب الحقيقة، وفي هذه الحالة يتعذر العلاج الحقيقي والملائم .