
لم يعد الخبر ينتظر نشرة الثامنة مساءً، ولا صحيفة الصباح، ولا المراسل الذي يقف أمام عدسة الكاميرا. يكفي أن يهتز هاتف في يد أحدهم حتى تبدأ دورة كاملة من الأخبار، والصور، ومقاطع الفيديو، والتعليقات، والتحليلات، وربما الاتهامات أيضًا. في لحظات قليلة، يتحول حدث محلي في أحد أحياء بغداد، أو البصرة، أو الموصل، إلى حديث يتداوله آلاف العراقيين، قبل أن تتحرك المؤسسات الإعلامية لمعرفة ما جرى. وهكذا أصبح الهاتف رئيسَ تحرير كل بيت.و هذا التحول لم يأتِ بقرار من مؤسسة إعلامية، ولم تصنعه الجامعات أو كليات الإعلام، بل فرضته التكنولوجيا التي وضعت أدوات النشر في جيب كل مواطن. لم يعد الإنسان العراقي يكتفي بمتابعة الأخبار، بل أصبح جزءًا من صناعتها، يصور، ويكتب، ويعلق، وينشر، ويختار ما يريد للناس أن يروه، حتى أصبحت البيوت العراقية غرف أخبار صغيرة تعمل على مدار الساعة.
ففي الماضي، كان الناس ينتظرون الصحفي ليخبرهم بما حدث، أما اليوم، فالصحفي ينتظر أحيانًا ما ينشره الناس على هواتفهم ليبدأ رحلة التحقق والمتابعة. تغيرت الأدوار، وأصبح السباق نحو الخبر يبدأ من شاشة الهاتف قبل أن يصل إلى شاشة التلفزيون. ولا يمكن إنكار أن هذا التحول منح المجتمع العراقي فرصة كبيرة لكشف كثير من القضايا التي كانت تمر بصمت. فكم من مشكلة خدمية وصلت إلى المسؤولين بعد أن وثقها مواطن بهاتفه، وكم من حالة فساد أو إهمال أو تجاوز أثارت اهتمام الرأي العام بسبب مقطع فيديو انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت الكاميرا الصغيرة التي يحملها المواطن وسيلة ضغط لا يستهان بها، وأداة قادرة على تحريك مؤسسات بأكملها. لكن الوجه الآخر للصورة لا يقل أهمية. فالهاتف الذي ينقل الحقيقة، يستطيع أيضًا أن ينقل الوهم. وبين سرعة النشر وبطء التحقق تضيع أحيانًا الحقيقة، وتنتشر أخبار لا أصل لها، وصور خارجة عن سياقها، ومقاطع قديمة يعاد نشرها على أنها أحداث جديدة. وفي مجتمع يعيش أحداثًا سياسية وأمنية واجتماعية متلاحقة، تصبح الإشاعة أكثر خطورة لأنها تجد جمهورًا متعطشًا لمعرفة كل جديد، حتى لو كان ذلك الجديد بلا دليل.
ولعل ما يلفت الانتباه في المجتمع العراقي أن كثيرًا من الناس أصبحوا يمنحون الثقة لأي منشور يصل إلى هواتفهم، خصوصًا إذا كان مصحوبًا بصورة أو مقطع فيديو. فالصورة، رغم قوتها، لا تروي القصة كاملة، والفيديو قد يختصر لحظة ويغيب ما سبقها وما تلاها. ومع ذلك، يتحول المحتوى المنشور إلى حقيقة في نظر كثيرين، قبل أن يمنحه الإعلام المهني فرصة للتحقق والتدقيق. وهذه السرعة صنعت ظاهرة جديدة؛ فكل فرد بات يشعر بأنه مسؤول عن إبلاغ الآخرين بما يشاهد، حتى لو لم يكن يمتلك أدوات التحقق أو الخبرة الإعلامية. وأصبح التنافس لا يدور حول دقة المعلومة، بل حول من ينشرها أولًا. وهنا خسر الخبر واحدة من أهم قيمه، وهي الموثوقية، لأن السباق نحو الانتشار بات يتقدم على السباق نحو الحقيقة. والإعلام العراقي وجد نفسه أمام واقع مختلف. فالقنوات الفضائية والصحف لم تعد المصدر الوحيد للمعلومات، بل أصبحت تنافس آلاف الصفحات والحسابات الشخصية التي تنشر بلا توقف. بعض هذه الصفحات يقدم محتوى مهنيًا ومسؤولًا، لكن بعضها الآخر يبحث عن الإثارة، لأن الإثارة تجلب المشاهدات، والمشاهدات تجلب الشهرة، والشهرة أصبحت عند البعض هدفًا يفوق قيمة الحقيقة نفسها. ولم يقتصر تأثير الهاتف على نقل الأخبار، بل امتد إلى تشكيل الرأي العام. كثير من النقاشات التي تدور اليوم في المقاهي، والجامعات، وأماكن العمل، تبدأ بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بمقطع فيديو انتشر في الليلة السابقة. وهكذا، لم يعد الهاتف وسيلة اتصال فقط، بل أصبح مصنعًا للاتجاهات، ومؤثرًا في طريقة تفكير الناس، وفي أولوياتهم، وحتى في أحكامهم على الأشخاص والأحداث. وهذا الواقع يفرض تحديًا جديدًا على المؤسسات التربوية والإعلامية. فالمعركة لم تعد معركة امتلاك المعلومة، وإنما معركة التحقق منها. والمجتمع الذي لا يمتلك ثقافة إعلامية كافية قد يتحول بسهولة إلى ضحية للشائعات، مهما امتلك من وسائل اتصال حديثة. وإن الحاجة اليوم لا تقتصر على صحفي محترف، بل تمتد إلى مواطن واعٍ يدرك أن الضغط على زر “إرسال” قد يغيّر حياة أشخاص، أو يثير فوضى، أو يزرع خوفًا، أو يسيء إلى سمعة إنسان بريء. فحرية النشر مسؤولية قبل أن تكون حقًا، والكلمة الرقمية لا تقل أثرًا عن الكلمة المطبوعة.
العراق، وهو يعيش مرحلة تتطلب بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، يحتاج إلى إعلام يوازن بين السرعة والدقة، وإلى جمهور يميّز بين الخبر والشائعة، وبين الرأي والمعلومة، وبين السباق إلى النشر والالتزام بالحقيقة. فالهاتف لن يغادر أيدينا، والمنصات الرقمية ستزداد تأثيرًا عامًا بعد آخر، لكن قيمة الإعلام ستبقى مرتبطة بقدرته على حماية الحقيقة، لا بمجرد نقلها. لقد أصبح الهاتف رئيسَ تحرير كل بيت، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن رئيس التحرير الحقيقي لا يقاس بعدد ما ينشره، بل بقدرته على التمييز بين ما يستحق أن يصل إلى الناس، وما يجب أن يتوقف عند شاشة صاحبه. وعندما يدرك المجتمع العراقي هذه الحقيقة، سيتحول الهاتف من مجرد أداة لنقل الأخبار إلى وسيلة لبناء وعيٍ يحمي المجتمع من فوضى المعلومة، ويجعل الكلمة مسؤولية تسبق الشهرة، والحقيقة قيمة تعلو على كل سبقٍ صحفي زائف.