
يمثل الفنان والنحات والأكاديمي الأستاذ المساعد الدكتور أحمد جمعة البهادلي واحداً من أبرز الأسماء التي جمعت بين الموهبة الفنية والبحث الأكاديمي، فصاغ مشروعاً إبداعياً يقوم على النحت بوصفه فعلاً جمالياً وفكرياً في آن واحد، ومن خلال تجربته الممتدة من مدينة العمارة إلى قاعات الدرس الجامعي استطاع أن يرسخ حضوره في المشهد التشكيلي العراقي عبر منجزه الفني ومؤلفاته العلمية وإسهاماته في إعداد أجيال من الفنانين والباحثين، وفي هذا الحوار نستعرض البدايات الأولى ومسيرة التكوين وأهم المحطات التي صنعت تجربته الإبداعية.
* ولدتم في مدينة العمارة بمحافظة ميسان وهي مدينة عرفت بغناها الحضاري والبيئي، كيف انعكست تلك البيئة على وعيكم الفني وما أولى الذكريات التي ما زالت ترافقكم حتى اليوم؟
ــ ولدت في قضاء المجر الكبير بمحافظة ميسان وكانت طفولتي مرتبطة بالطين وضفاف الأنهار، حيث كنت أقضي ساعات طويلة في تشكيل المجسمات والشخصيات الخيالية التي أثارت دهشة أصدقائي وأبناء منطقتي. كما أسهمت البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأت فيها إلى جانب الظروف الصعبة التي مرت بها عائلتي في تكوين شخصيتي ودفعتني إلى القراءة والتأمل والبحث وهو ما انعكس لاحقاً على رؤيتي الفنية والفكرية.
ــ متى اكتشفتم موهبتكم في الرسم والنحت، ومن كان أول من شجعكم على الاستمرار؟
* منذ سنوات الطفولة كنت أجد تشجيعاً من زملائي ومعلمي المدرسة الذين لاحظوا ميولي الفنية وشجعوني على مواصلة هذا الطريق، وبعد إنهاء الدراسة المتوسطة والإعدادية أصررت على الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة رغم تحفظ العائلة وتمكنت بفضل الاجتهاد من الحصول على المرتبة الأولى على جميع أقسام المعهد وهو إنجاز منحني ثقة كبيرة للاستمرار.
ــ حصلتم على المرتبة الأولى في معهد الفنون الجميلة بمعدل امتياز، ماذا تمثل لكم تلك المرحلة؟
* كانت مرحلة مفصلية في حياتي لأنها جاءت في ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، إلا أنني وجدت في المعهد أساتذة كباراً منحوني المعرفة والثقة ورسخوا لديّ أسس الدراسة الأكاديمية والفنية، فكانت تلك السنوات نقطة الانطلاق الحقيقية نحو مسيرتي العلمية والإبداعية.
ــ متى شعرتم أن البحث الفلسفي في الفن أصبح جزءاً أساسياً من مشروعكم الفكري والإبداعي؟
* أدركت منذ سنوات الدراسة أن السؤال الحقيقي لا يكمن في كيفية إنتاج العمل الفني فحسب، بل في فهم ماهية الفن ذاته ومعنى الجمال وأسباب تأثيرهما في الإنسان، فالفن ليس مجرد ممارسة تشكيلية بل عالم واسع تتداخل فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولهذا وجدت أن تفسير الظاهرة الفنية يحتاج إلى مرجعيات فلسفية ومناهج نقدية رصينة.
وقد درست مختلف الاتجاهات الفكرية من المثالية إلى الوجودية والمادية والوضعية المنطقية واطلعت على تعريفات كبار الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو وصولاً إلى هيغل وشوبنهاور وغيرهما، لأصل إلى قناعة بأن الفن لا يمكن اختزاله في تعريف واحد لأنه مجموعة من الفنون ولكل اتجاه فلسفي رؤيته الخاصة.
ــ رسالتكم للماجستير وأطروحة الدكتوراه انطلقتا من قضايا فلسفية وجمالية عميقة، لماذا اخترتم هذا المسار البحثي؟
* لأنني وجدت أن الدراسات التطبيقية في الفن كثيرة بينما كانت الدراسات النقدية والفلسفية بحاجة إلى اجتهاد جديد، ففي رسالة الماجستير عملت على توظيف المنطق بوصفه منهجاً نقدياً لتحليل الأعمال الفنية، واستطعت بناء مجموعة من القواعد المنهجية التي أسهمت في قراءة النتاج التشكيلي قراءة علمية. أما في الدكتوراه فقد تناولت الظاهراتية وطبقتها على دراسة الجسد في الفن التشكيلي العراقي والعالمي بوصفه ظاهرة جمالية وثقافية لها حضور واسع في النصب والأعمال المعاصرة، وكان هدفي تقديم رؤية نقدية جديدة تربط الفكر بالممارسة الفنية.
ــ كيف تنظرون إلى التحولات التي شهدها الفن التشكيلي العراقي منذ بداياتكم وحتى اليوم؟
* يمتلك العراق تجربة تشكيلية رائدة على المستويين العربي والدولي لكنه ما زال بحاجة إلى بناء مشروع نقدي وجمالي متكامل، فالفن العراقي حقق منجزات كبيرة في الممارسة والإبداع، إلا أنه لم يؤسس حتى اليوم لاتجاه نظري واضح كما حدث في المدارس العالمية مثل التكعيبية والسريالية والتعبيرية، ولذلك أرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على إنتاج خطاب نقدي عراقي قادر على تأسيس مدرسة فكرية تعبر عن خصوصية التجربة العراقية وتمنحها حضوراً أكثر رسوخاً في المشهد التشكيلي العالمي.
ــ أنتم من المؤسسين لاتحاد النقاد الجماليين العرب واتحاد النحاتين العرب، ما الدوافع التي قادتكم إلى تأسيس هاتين المؤسستين؟
* كان هدفي الأول توحيد الخطاب الجمالي والنقدي في الوطن العربي لأن الواقع الثقافي العربي عاش فترات من العزلة التي فرضتها ظروف سياسية مختلفة، ولذلك سعينا إلى جمع النقاد والفنانين ضمن إطار مهني يرسخ الحوار والتعاون، وقد حظي مشروع اتحاد النقاد الجماليين العرب بدعم وزارة الثقافة، وشارك فيه آلاف النقاد والباحثين قبل أن تتوقف نشاطاته بسبب الظروف الأمنية. أما اتحاد النحاتين العرب فقد جاء ثمرة تعاون بين نخبة من النحاتين من العراق وسلطنة عمان ومصر وعدد من الدول العربية، وما زلنا نأمل أن يسهم في تعزيز التواصل وتبادل الخبرات بين الفنانين العرب.
ــ مشروعكم البحثي يضم مؤلفات ودراسات عديدة، كيف تصفون هذا المشروع الفكري؟
* بدأ المشروع بخطوات متواضعة ثم أخذ يتوسع مع مرور السنوات وكان أول مؤلف صدر لي عام 2009 بعنوان الواحد الجمالي.
حاولت فيه إثبات أن الوعي الجمالي سبق في نشأته كثيراً من الأنظمة المعرفية الأخرى، وأن الإنسان مارس الفن والجمال قبل أن تتشكل بقية البنى الفكرية والاجتماعية، ثم واصلت البحث في العلاقة بين الفكر والجمال والهوية الثقافية عبر مؤلفات أخرى هدفت إلى تقديم قراءة فلسفية للفن من منظور عربي معاصر.
ــ لديكم أعمال نحتية في عدد من ساحات بغداد، ماذا تشعرون عندما تشاهدونها؟
* أشعر بالفخر لأن بغداد مدينة الحضارة والعلم والفكر وتستحق المزيد من المنجزات الفنية، وما أنجزته لا يعدو أن يكون خطوة أولى في طريق طويل، وأتمنى أن أقدم مستقبلاً مشاريع نحتية أكبر تليق بتاريخ العاصمة العراقية ومكانتها الحضارية.
ــ كيف تقيّمون واقع فن النحت في العراق اليوم؟
* العراق هو أحد المؤسسين الأوائل لفن النحت في الحضارة الإنسانية، وتاريخه في هذا المجال يمتد لآلاف السني،ن وما زال يمتلك طاقات فنية كبيرة لكننا بحاجة إلى مزيد من الورش التخصصية والدعم الرسمي وإقامة المهرجانات والملتقيات الدولية التي تتيح للفنان العراقي الحضور والتفاعل مع التجارب العالمية.
ــ بعد هذه المسيرة الطويلة، ما المشروع الذي ما زلتم تطمحون إلى إنجازه وما الرسالة التي توجهونها إلى الأجيال الجديدة من الفنانين؟
* ما زلت أحلم بإنجاز عمل نحتي كبير يوثق تضحيات العراقيين ووحدتهم الوطنية ليبقى شاهداً للأجيال المقبلة. أما رسالتي إلى الشباب فهي أن يجعلوا الاجتهاد والاحتراف أساساً لعملهم، وأن يحافظوا على هويتهم الثقافية العربية مع الانفتاح الواعي على التجارب العالمية، وأن يكون الفن مرتبطاً بقضايا المجتمع لأن الإبداع الحقيقي يحمل رسالة إنسانية تتجاوز حدود الجمال إلى خدمة الإنسان والوطن.