
يبرز الفنان الشاب محمد سهيل كصوت تجريبي يكسر القوالب التقليدية في المشهد التشكيلي المعاصر، مستعينا بألغاز بصرية تستفز المتلقي. ومن خلال دمج التقنيات الرقمية ثلاثية الأبعاد بسيمياء اللعبة والدمية، يقدم سهيل رؤية نقدية حادة تفكك سرديات الحروب وعسكرة الطفولة، محولا اللوحة إلى مساحة لطرح الأسئلة ومحاكمة الواقع الجريح.لا ينجح كل فنان شاب في ترك بصمة وسط مشهد تشكيلي مثقل بتاريخه وبتوقعاته. لكن المشهد العراقي المعاصر، رغم ازدحامه، ما زال قادرا على استقبال الأصوات التي تكسر القالب وتؤسس لمنعطف نوعي. من هذه الأصوات تجربة محمد سهيل.الفنان محمد سهيل لا يقدّم لوحات لتزيين الجدران، بل يقدّم “ألغازا بصرية” تدفع المتلقي إلى التوقف والتأمل والشك. معرضه الثاني في غاليري سلام عمر لم يكن مجرد عرض أعمال، بل بيانا جماليا أعلن فيه عن رؤيته الخاصة، وأسس لحضور بصري جديد يمزج بين التقنية الرقمية، وسيمياء الطفولة، ونقد الحروب. بذلك خرج من دائرة التقليد إلى حقل التجريب، ومن تمثيل الواقع إلى تفكيكه وإعادة صياغته.أبرز ما يميز أعمال سهيل هو استخدامه لمفردات رسومية مستعارة من بيئة التصميم ثلاثي الأبعاد (ثري دي)، حيث الكتل لا تُرسم فقط، بل تُبنى افتراضياً ثم تُسقط على السطح. تتداخل الظلال مع الكتل الافتراضية، فتنتج فضاءً بصرياً مركباً يصعب على العين تحديد حدوده: أهو واقع أم محاكاة؟ أهو ملموس أم رقمي؟هذه التقنية تمنح أعماله بعدا تقنيا وفنيا مركبا، المتلقي لا يواجه صورة فحسب، بل يواجه لغزا بصريا يستفزه. الظل هنا ليس وسيلة لإظهار الحجم، بل أداة لإنتاج الغموض. الكتلة لا تكتفي بالوجود، بل تفرض سؤالاً عن طبيعة هذا الوجود. بهذا يتحول الفن عنده من تمثيل إلى استقصاء: استقصاء للإدراك، واستقصاء للتخيل، وإعادة نظر في وظيفة الفن كأداة لإنتاج المعنى لا لنسخ الظاهر.يرتكز خط سهيل الموضوعاتي على مفردة واحدة لكنها عميقة الدلالة: “الدمية واللعبة”. أنثروبولوجيا، اللعبة امتداد لبراءة الطفولة وأداة للتعلم واستكشاف العالم. لكن سهيل ينتزعها من سياقها الوظيفي البريء ويضعها في سياق الحرب.
صناديق الألعاب في لوحاته، وغالباً بقياسات ضخمة تصل إلى 200×200 سم، لا تبدو حاويات عادية، هي أقرب إلى “مقابر جماعية رمزية” أو “ملاجئ تضيق بساكنيها”. داخل الصندوق تتداخل طائرات حربية بلاستيكية وسيارات منقلبة ودبابات، مع دمى قماشية وحيوانات أليفة في حالة ازدحام خانق. البراءة والعنف يتجاوران حتى يكادا يتحولان إلى شيء واحد.بهذا يحوّل الفنان الدمية من مادة متعة بسيطة إلى “مستودع للأسرار والألغاز”، كما وصفها الناقد سلام عمر. الدمية عنده قناع وملجأ أخير في آن. قناع يخفي وجه الطفل المذعور، وملجأ يضيق بمن فيه لكنه يظل المكان الوحيد الممكن للاختباء من فوضى الكبار.وتتجلى القوة الأكاديمية لسهيل في توظيف “التناص” مع روائع الفن الكلاسيكي العالمي، لكنه لا يقتبس ليحتفي، بل ليحاكم ويسخر. في إعادة صياغة لوحة “نابليون عابر جبال الألب” لدافيد، يُقحم نابليون ممتطيا جواده وسط دمى دببة ملونة وشخصيات كرتونية مثل عبقرينو وكعكي وحصان “ماي ليتل بوني”.
هنا، تصطدم النزعة الإمبراطورية الكولونيالية بعالم ألعاب بلاستيكي سطحي. النتيجة تفكيك للسرديات الكبرى للحروب: حوافر التاريخ تتحول إلى لعب أطفال عابثة، وقدسية البطولة تسقط لصالح تهريج بصري مقصود.
وفي لوحة مستوحاة من ماستر كلاسيكي للحروب الباروكية والرومانتيكية المليئة بالأجساد الصريعة والملائكة، يضع “ميكي ماوس” بابتسامته اللامبالية في قلب المذبحة، حيث نرى أيقونة الرأسمالية والترفيه الغربي تقف متفرجة أو مستثمرة في مآسي الشعوب. هكذا يحوّل التناص إلى أداة نقد ثقافي: الاستهلاك لا ينجو من الدمار، بل يتفرج عليه ويستفيد منه.
لا يكتفي سهيل بالصورة، بل يدخل الكتابة المباشرة كوثيقة نقدية. عبارات مثل “MADE IN IRAQ” (صنع في العراق) و”MADE IN IRAN” (صنع في إيران) و”الخطوط الجوية العراقية” وغيرها مطبوعة على الألعاب. بهذا تخرج اللوحة من الجمالي البحت إلى السياسي المعقد.
الإشارة واضحة: الطفل العراقي لا يلعب في فراغ، فألعابه منتج مستورد أو محلي مشحون بإرث الصراع والتحولات الاقتصادية والجغرافيا السياسية. حين يظهر “مسدس ماء بلاستيكي” أو دبابة خضراء مكتوب عليها “Made in Iraq” وسط دمية طفلة صغيرة، يحدث ما يمكن تسميته “عسكرة الطفولة القسرية”. الطفل ينشأ في بيئة تتماهى فيها أداة القتل مع أداة اللعب، فلا يعود يميز بينهما إلا بعد فوات الأوان.