
لم يكن إخفاق السياسات الأميركية في غرب آسيا مجرد تعثر عابر، بل جاء كحصيلة متراكمة لخيارات استراتيجية غير محسوبة، بدأت فصولها الكارثية بغزو العراق عام 2003، وتوجتها الاندفاعات غير المدروسة في المواجهة الأخيرة مع طهران. إن الأسابيع الطويلة الماضية وما رافقها من تحولات ميدانية وسياسية صبت في اتجاه واحد: تراجع ملموس في قدرة واشنطن على فرض إرادتها، وسط حالة من التردد والارتباك الدبلوماسي غير المسبوق، حيث جاءت مخرجات الأحداث على عكس ما خططت له الدوائر الغربية تماماً.
لقد شكلت المشاهد المهيبة لوداع قائد الثورة السيد علي الخامنئي في المحطات الكبرى صدمة وعائية لأدوات التحليل الغربية، وأثبتت عقماً واضحاً في القراءة الاستشراقية التي اعتمدها صانع القرار الأميركي لفرز مجتمعات المنطقة وقواها الحية على مدى عقود. هذا الفشل المعرفي يفرض على العواصم الغربية اليوم وقفة إلزامية لإعادة تقييم الواقع، والابتعاد عن التشنج الانفعالي لتفادي تكرار التجارب الخاطئة التي لن تقود إلا إلى النتائج العقيمة ذاتها.
وأمام هذا التراجع، تبدو مروحة الخيارات الأميركية بالغة الضيق والتعقيد؛ فالبيئة الإقليمية الهشة مرشحة للانزلاق في أي لحظة نحو مواجهة شاملة تسعى إدارة ترامب جاهدة لتجنبها لوعيها بكلفة نتائجها الجيوسياسية، في وقت تدرك فيه واشنطن أن تل أبيب قد تحاول استغلال هذه التوازنات القلقة لتوريط القوات الأميركية مجدداً في صراعات مستنزفة ومعقدة.
انطلاقاً من هذا المأزق، تجد الإدارة الأميركية نفسها مجبرة في هذه المرحلة الانتقالية على سلوك مسارين متوازيين: الأول يكمن في محاولة إفراغ التفاهمات المعقودة مع طهران من قيمتها الفعلية واختبار خطوط النار الحمراء ولكن بحدود منخفضة، والمسار الثاني يتمثل في تفويض قوة إقليمية وازنة وموثوقة نسبياً للحد من احتمالات الانفجار انطلاقاً من الساحة اللبنانية، بهدف الالتفاف على المكاسب الكبرى التي حققها المحور المقابل، وهنا تبرز الحاجة الأميركية الملحة للدور التركي كأداة ضبط مرحلية لا بديل عنها.
طالما كانت حدود الدور الإقليمي لأنقرة مادة للنقاش الساخن في كواليس واشنطن، إلا أن هناك تياراً سياسياً فاعلاً في الولايات المتحدة يرى في تركيا مفتاحاً أساسياً لصياغة المقاربة الإقليمية الجديدة، متجاوزاً بذلك التحفظات الأوروبية والحذر الإسرائيلي الشديد. وإذا كان باراك أوباما أول من حاول توظيف هذا الدور من خلال دعم تيار «الإسلام المعتدل» كبديل أيديولوجي لقوى المقاومة خلال أحداث العقد الماضي، فإن ترامب يعيد اليوم إحياء هذه المقاربة ولكن من منطلق براغماتي خالص.
تعتمد النظرة الأميركية الحالية على الوزن الجيوسياسي لتركيا بوصفها حليفاً تاريخياً وعضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن الكاريزما القيادية لـرئيسها وقدرته على التأثير في الجغرافيا الإسلامية الواسعة. ويرمي الرهان الأميركي اليوم إلى صياغة مظلة مصالح مشتركة تجمع واشنطن وتل أبيب وأنقرة، متجاوزاً البعد الأيديولوجي السابق نحو صفقات نفوذ مباشرة.
وقد بدت ملامح هذه الهندسة الجديدة واضحة في كواليس قمم الناتو الأخيرة، حيث سعت واشنطن لتوسيع الهامش التركي في ملفات حيوية تمتد من آسيا الوسطى وصولاً إلى سوريا ولبنان. ويفسر هذا السياق التخلي الأميركي والأوروبي المتكرر عن الحلفاء المحليين والأقليات لصالح التفاهمات الكبرى مع أنقرة، بالإضافة إلى منح تركيا دوراً محورياً في لجان الإشراف وإدارة المشهد المستقبلي في غزة بعد توقف المعارك.
إن هذه المؤشرات ترجح تطلع واشنطن لرؤية رعاية تركية مستجدة لبلاد الشام، تملأ الفراغ الناجم عن انكفاء وتراجع دور دمشق التقليدي. والمطلوب تركياً في هذه المعادلة هو اجتراح دور «الموازن الحيوي» القادر على التوفيق الدبلوماسي بين حضور المقاومة والاحتياجات الأمنية لإسرائيل، من خلال إدارة جبهات الاحتكاك الساخنة وتنظيم قواعد الاشتباك لمنع التدحرج نحو الصدام الكبير.
تنطلق الرؤية التركية لإدارة بلاد الشام من محاولة تدوير الزوايا بين دمشق وبيروت من جهة، وتل أبيب من جهة أخرى، بما يضمن الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الحيوية. فالأزمة من المنظور التركي لا تتعلق بوجود الكيان بحد ذاته، بل في السلوك الأمني المتطرف الذي تنتهجه القيادة الإسرائيلية بعد محطة السابع من أكتوبر، والمستند إلى مبدأ «الأمن عبر الاستئصال والمنع التام»، وهو ما تراه أنقرة مهدداً للاستقرار الإقليمي العام.
وفي حلبة التنافس الإقليمي، تبدو تركيا الأكثر تأهيلاً لهذه المهمة مقارنة بالقوى العربية الأخرى؛ فالسعودية تفتقر لحرية المناورة الدبلوماسية نتيجة قطيعتها الكاملة مع قوى المقاومة الفاعلة ميدانياً في لبنان، بينما تعاني مصر، رغم خبرتها وقدراتها، من غياب الضوء الأخضر الغربي والدعم الاقتصادي الكافي للقيام برعاية إقليمية ثقيلة.
وقد نجحت أنقرة في استثمار حالة الاستنزاف المتبادلة التي طبعت الصراع المستمر على مدى السنوات الثلاث الماضية لتحقيق مكاسب صافية، معززة نفوذها السياسي كحاجة إنقاذية في غزة بعد إخفاق الخيارات العسكرية الإسرائيلية في تصفية فصائل المقاومة. ورغم الامتعاض الإسرائيلي المعلن من تصاعد الدور التركي، إلا أن تل أبيب تدرك في حساباتها العميقة أن هذا الخطر مؤجل، وأن الأولوية القصوى تكمن في تقليص النفوذ الإيراني، وهي مهمة تبدو تركيا الأقدر على تنفيذها بالوكالة.
وبالعودة إلى الساحة اللبنانية التي اعتادت تاريخياً على وجود مظلة رعاية خارجية، يبدو أن تراجع الأدوار التقليدية يمهد الطريق لتدخل تركي مدعوم أميركياً، قد يتخذ شكل مبادرة دبلوماسية منسقة مع القاهرة والرياض لحفظ الاستقرار الداخلي وحماية المصالح التركية دون المساس بأمن إسرائيل. لكن السؤال الجوهري يبقى حول مدى قدرة أنقرة على إرساء توازن حقيقي، وتفادي تكرار سيناريو غزة حيث عجزت الدبلوماسية التركية عن توفير شبكة أمان فعلية للفلسطينيين، خاصة وأن الملف اللبناني بتركيبته الطائفية الحساسة وعناصر قوته الميدانية يبدو أكثر تعقيداً بكثير.
إن المعضلة الأساسية تكمن في خيارات الحركة التركية: هل ستسعى للتنسيق المباشر مع طهران كشريك إقليمي لا يمكن تجاوزه، أم ستحاول فرض قواعد اللعبة بمعزل عنها وعلى حساب بيئة المقاومة؟ إن لبنان اليوم لم يعد مجرد تفصيل عابر، بل بات ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي ومكوناً رئيساً في معادلات التوازن التي فرضتها التفاهمات غير المباشرة بين واشنطن وطهران. وفي ظل بحث الأميركي عن مخرج يضمن انسحاباً إسرائيلياً آمناً، تبرز الحاجة لعراب إقليمي مقتدر، بعد أن بدا واضحاً أن الأدوات والشخصيات المحلية التقليدية في بيروت تفتقر للثقل والقدرة على إدارة ملف بهذا الحجم الاستراتيجي.