
يقدّم الدكتور قدير غولكاريان في مقاله قراءةً دقيقة، متعددة الأبعاد وواقعية، تكشف كيف يمكن لقرارات تبدو ثانوية، أو لتزامن غير مقصود في رقعة الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، أن تتضافر لتنتج ما يشبه «العاصفة الكاملة» أمنياً. فيما يلي عرض للمحاور الرئيسية لهذا التحليل.
*أولاً: زلّة الدبلوماسية العُمانية... من «جسر تواصل» إلى «جزء من المشكلة»
لعبت مسقط لسنوات دور «سويسرا الشرق الأوسط»: لاعباً محايداً ينقل الرسائل بين طهران والغرب دون أن يتدخّل في مضمونها. غير أن الكاتب يضع يده على نقطة بالغة الدقة: الثقة الدبلوماسية أشبه بزجاجة عطر، تتصدّع لأدنى خدش.
فالتحرك العُماني المتسرّع في ترتيب الشأن البحري لمضيق هرمز، وإن كان بحسن نية، بعث برسالة إلى طهران مفادها أن ترتيبات جديدة قد تكون قيد التنفيذ الفعلي قبل بلوغ اتفاق نهائي. والنتيجة أن عُمان انزلقت، دون قصد، من موقع «الوسيط المستقل» إلى موقع «أحد أطراف المشكلة»، بما يحمّل مسقط كلفة سياسية باهظة على صعيد رصيدها الدبلوماسي واستراتيجيتها بعيدة المدى.
*ثانياً: موازنة أنقرة النشطة... واجهة للناتو أم وسيط مستقل؟
ظلّت السياسة الخارجية التركية، على الدوام، سيراً على حبل مشدود. وفي قمة أنقرة، حاول أردوغان الإمساك بثلاث كرات معاً: إنجاح استضافة القمة، والمحافظة على متانة العلاقة مع واشنطن، ومنع اتساع رقعة الحرب في المنطقة.
لكن ماذا كانت الحصيلة العملية؟
بدت أنقرة في الظاهر متوازنة، بينما رجحت كفتها فعلياً لصالح أحد الأطراف؛ إذ ساهم بيان الناتو بشأن حرية الملاحة في هرمز، وضرورة الرد على الهجمات البحرية، في منح ترامب ثقة إضافية أعلن على أساسها أن التفاهم مع إيران قد «انتهى»، ملوّحاً بالخيار العسكري. وكشف غياب أي رد تركي مناسب على تصريح ترامب بأن الرئيس التركي «لا يحب إيران» حقيقةً أعمق: أن ثقل الناتو وواشنطن في حسابات أنقرة يفوق بكثير شعارات الجوار والحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، الأمر الذي جعل إيران تبدو حضوراً باهتاً في المعادلة التركية.
*ثالثاً: تداخل المحفزات... شرارات أشعلت قرار واشنطن
يشير الكاتب، عن حق، إلى «مثلث جيوسياسي» أمال حسابات البيت الأبيض نحو الخيار العسكري. لم يكن أي من عناصر هذا المثلث، منفرداً، سبباً كافياً للأزمة، لكن تلاقيها معاً هيّأ بيئة خصبة لزيادة احتمال التحرك العسكري الأمريكي:
- إظهار تضامن اجتماعي واسع في مراسم التشييع، وهو ما حمل رسالة صمود واستقرار داخلي.
- قرارات عُمان الفنية المتسرّعة بشأن الترتيبات البحرية في هرمز.
- أجواء قمة الناتو في أنقرة، التي أوحت لترامب بأن الحلفاء سيقفون إلى جانبه في أي إجراء ضد إيران.
*الخلاصة: الهندسة الجديدة لأمن الخليج
لم تكن أزمة مضيق هرمز يوماً مجرد مسألة فنية أو قانونية تتعلق بمرور بضع سفن أو السيطرة على ممر مائي، بل هي، كما يصفها المقال، «صراع بنيوي وهيكلي على صياغة النظام الأمني المستقبلي للمنطقة»؛ نظام تتشابك فيه السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والطاقة، بل والمشاعر الوطنية أيضاً، في رسم موازين القوى الجديدة.
ففي منطقة بحساسية الخليج، يعادل «التوقيت السيئ» والخطأ الدبلوماسي الصغير، في خطورته، «رصاصة طائشة» في ميدان المعركة؛ إذ بإمكانه تحويل سوء فهم بسيط إلى أزمة أمنية كبرى تعصف بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وبحياة الملايين من البشر.