
سال أحدهم متى يخاف الرجل؟ أجبته: الخوف ليس شعوراً واحداً. هناك خوف الأب على أطفاله، وخوف الأم على أسرتها، وخوف الجندي على وطنه، وخوف الإنسان من المجهول، وتلك مشاعر فطرية لا تنتقص من شجاعة أحد.. لكن هناك خوفاً آخر، أشد قسوة، يأتي من الماضي؛ من ذنب لم يتب صاحبه عنه، ومن حق سُلب، ومن مال حرام، ومن ضمير يرفض أن يموت.
لهذا جاءت الحكمة الخالدة: “لا يرجون أحدكم إلا ربه”، فمن عرف أن رزقه بيد الله، وأن كرامته وحسابه من عند الله، لم يعش أسيراً للبشر. أما من جعل الدنيا إلهاً، وجمعها بالحيلة والرشوة والسرقة، فإنه يبدأ رحلته مع الخوف منذ اللحظة الأولى التي يظن فيها أنه انتصر.
انظروا إلى الفاسدين، فالأموال المنهوبة تحولت إلى لعنة عليهم، بعضهم أخفاها داخل الجدران، وبعضهم دفنها تحت الأرض، وبعضهم لجأ إلى خزائن سرية، حتى إن وسائل الإعلام تداولت قصصاً عن محاولات لإخفاء الأموال في أماكن لا تخطر على بال، ومنها شبكات الصرف الصحي. لم تكن المشكلة في المكان الذي أخفوا فيه المال، بل في الحقيقة التي لم يستطيعوا دفنها: كانوا يخافون.
الخوف كان الحارس الحقيقي لتلك الأموال، لا أصحابها. كانوا يخشون طرقات الأبواب، ونظرات الناس، وأوراق التحقيق، وحتى هواتفهم التي قد تكشف ما حاولوا إخفاءه. فالمال المسروق لا يمنح صاحبه الطمأنينة، بل يشتري له ليالبٍ طويلة من القلق، ويجعل كل صوت إنذاراً، وكل خبر احتمالاً للنهاية.
أما الإنسان الذي يخرج من بيته وليس في ذمته حق لأحد، فيحمل كنزاً لا يباع ولا يشترى: راحة الضمير. قد لا يكون ثرياً، لكنه ينام نوماً هادئاً. وقد لا يملك قصراً، لكنه لا يحتاج إلى أسوار عالية ليحرس نفسه من ماضيه.
إن الأمم لا تنهض بكثرة القوانين، وإنما بكثرة الضمائر الحية. فحين يموت الضمير تصبح السجون أكثر، والمحاكم أكثر، والحراس أكثر، لكن الأمان أقل. وحين يستيقظ الضمير، يصبح القانون سنداً للأخلاق، لا بديلاً عنها.
الحقيقة التي لا يجرؤ كثيرون على قولها هي أن اللص لا يخاف الشرطة أولاً، بل يخاف نفسه. والفاسد لا يرعبه القاضي قبل أن يرعبه انكشاف ستره. والمذنب، مهما أوهم الناس بقوته، يبقى هشاً من الداخل، لأن الذنب يصنع في القلب شقوقاً لا يراها أحد.
لذلك، ليس السؤال: كم تملك؟ بل: كم تنام مطمئناً؟ فهناك من يملك الملايين ويعيش مطارداً بخوفه، وهناك من لا يملك إلا قوت يومه، لكنه يضع رأسه على وسادته مطمئن القلب.
فالخوف الحقيقي لا يسكن البيوت الفقيرة، ولا القلوب المؤمنة، وإنما يسكن القلوب التي تعلم أنها أخطأت، وما زالت تظن أن المال يستطيع شراء الصمت.. لكنه لا يستطيع شراء السلام.