
لم يكن الميكروفون بالنسبة للمذيع الرائد خالد العيداني مجرد أداة لنقل الأخبار أو تقديم البرامج بل كان رسالة ومسؤولية ومشروع حياة امتد لأكثر من نصف قرن داخل إذاعة بغداد وشبكة الإعلام العراقي. فمنذ دخوله الإذاعة عام 1969 ظل مؤمنا بأن المذيع الحقيقي لا يصنعه الصوت الجميل وحده وإنما تصنعه الثقافة والانضباط واللغة والخبرة والتدريب واحترام المستمع. لذلك تحولت تجربته إلى واحدة من التجارب التي تستحق التوقف عندها لأنها تختصر تاريخا كاملا من تطور الإذاعة العراقية وتكشف في الوقت نفسه حجم التحولات التي أصابت العمل الإعلامي بين الأمس واليوم. وفي هذا التحقيق نتتبع محطات هذه المسيرة لنقرأها بوصفها تجربة مهنية وإنسانية صنعت واحدا من أبرز أصوات الإذاعة العراقية.
البدايات حين صنعت المدرسة أول مذيع
لم تأت تجربة خالد العيداني من باب المصادفة وإنما بدأت ملامحها منذ سنوات الدراسة الأولى عندما كان شغوفا بالخطابة وإدارة الاحتفالات المدرسية ورفع العلم الأسبوعي. كانت تلك اللحظات الصغيرة هي المختبر الحقيقي الذي اكتشف فيه قدرته على الوقوف أمام الجمهور والتحدث بثقة وإدارة المراسم بصوت واضح وحضور لافت. ولم يكن يدرك آنذاك أن هذه الهواية البسيطة ستتحول بعد سنوات إلى مهنة عمر كاملة.
لقد كانت المدرسة في ذلك الزمن تؤدي دورا تربويا وثقافيا يتجاوز التعليم التقليدي إذ كانت تكتشف المواهب وتشجعها وتمنحها فرصة الظهور. ومن هنا جاءت شخصية خالد العيداني التي تشكلت على أساس الجرأة والانضباط وحب اللغة العربية وهو ما انعكس لاحقا على أدائه الإذاعي. إذاعة بغداد بوابة الاحتراف الحقيقي
حين دخل خالد العيداني إذاعة بغداد في الأول من آب عام 1969 لم ينتقل مباشرة إلى قسم المذيعين وإنما خضع لنظام مهني صارم يبدأ بالاختبار ثم التدريب ثم إعادة الاختبار قبل الحصول على صفة المذيع.
هذه المنهجية تكشف حجم الاهتمام الذي كانت توليه المؤسسة الإعلامية لإعداد كوادرها. فقد كانت الإذاعة تنظر إلى المذيع بوصفه ممثلا للدولة وصوتا للمجتمع لذلك لم يكن يسمح لأي شخص بالوقوف أمام الميكروفون قبل أن يثبت امتلاكه أدوات المهنة.
وخلال أشهر التدريب تنقل العيداني بين أقسام البرامج وشارك في إعداد وتقديم فقرات مختلفة قبل أن يجتاز الاختبار النهائي وينتقل إلى قسم المذيعين حيث بدأ رحلته المهنية الحقيقية.
مدرسة الرواد وصناعة الشخصية الإعلامية
من حسن حظ خالد العيداني أنه عمل إلى جانب نخبة من أعلام الإذاعة العراقية الذين كانوا يمثلون مدرسة متكاملة في الأداء واللغة والانضباط. فقد تعلم من سعاد الهرمزي ومشتاق طالب وبهجت عبد الواحد وحافظ القباني ووفيق رؤوف وطارق حسين وغيرهم.
ولم يكن هؤلاء يقدمون دروسا نظرية بقدر ما كانوا ينقلون خبراتهم اليومية إلى الأجيال الجديدة. فكل قراءة لنشرة إخبار كانت درسا في الإلقاء وكل خطأ لغوي كان مناسبة للتصحيح وكل برنامج كان ورشة عمل حقيقية.
ومن خلال هذه البيئة المهنية تشكلت شخصية خالد العيداني التي بقيت متمسكة حتى اليوم بقواعد الإذاعة القديمة رغم اختلاف الزمن وتغير الوسائل.
المذيع ليس قارئا للنصوص
واحدة من أهم الأفكار التي يؤكد عليها خالد العيداني أن المذيع يختلف تماما عن مقدم البرامج. فالمذيع في نظره مشروع إعلامي متكامل يمتلك القدرة على قراءة الأخبار وإدارة الحوار وتقديم البرامج والنقل الخارجي والتعامل مع الأحداث الطارئة والارتجال عند الحاجة.
هذا الفهم يعكس طبيعة المدرسة الإذاعية العراقية التي كانت تعد المذيع ليكون قادرا على العمل في جميع مفاصل المؤسسة الإعلامية دون الاعتماد على تخصص ضيق أو مهمة واحدة.
ولهذا يرى أن المذيع الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقود البث مهما كانت الظروف وأن يحافظ على ثقة المستمع في كل لحظة.
الإذاعة فن صناعة الصورة بالصوت
يؤمن خالد العيداني بأن الإذاعة أكثر صعوبة من التلفزيون لأن المذيع الإذاعي لا يملك سوى صوته ليصنع الصورة داخل ذهن المستمع.
فعندما كان يكلف بنقل مؤتمر أو احتفال أو مناسبة رسمية كان يبدأ بوصف المكان والحضور والأجواء ثم ينتقل إلى تفاصيل الحدث ليجعل المستمع يشعر وكأنه موجود في قلب المكان.
وهذه القدرة لا تأتي من جمال الصوت فقط وإنما من الثقافة وسعة المفردات وسرعة البديهة والقدرة على الملاحظة وحسن التعبير. لذلك كان يعتبر أن الميكروفون امتحان دائم للمذيع وأن نجاحه يقاس بقدرته على تحويل الكلمات إلى مشاهد حية.
اللغة العربية أساس المهنة
من أكثر القضايا التي يكررها خالد العيداني أهمية وجود المشرف اللغوي داخل الأستوديو. فقد كانت الإذاعة تعتمد متخصصين في اللغة يتابعون كل كلمة وكل حركة وكل نطق قبل خروجها إلى الجمهور.
وكان هذا النظام يجعل المذيع في حالة تعلم دائم ويمنحه ثقة أكبر في الأداء ويصحح أخطاءه بصورة مستمرة.
ومن هنا يفسر العيداني سبب تميز جيل الرواد في سلامة اللغة ودقة النطق بينما يرى أن هذه الثقافة تراجعت في السنوات الأخيرة بسبب غياب المعايير المهنية وضعف التدريب.
بين الأمس واليوم
حين يقارن خالد العيداني بين مذيعي الأمس واليوم فإنه لا يتحدث بدافع الحنين فقط وإنما يستند إلى تجربة طويلة عاش تفاصيلها.
فهو يرى أن اختيار المذيعين سابقا كان يتم وفق اختبارات دقيقة ومعايير صارمة بينما أصبحت بعض الاختيارات اليوم تعتمد على العلاقات والمحسوبية أكثر من اعتمادها على الكفاءة.
ورغم أن هذه الرؤية قد يختلف معها البعض فإنها تعبر عن قناعة إعلامي عاش مراحل مختلفة من تاريخ الإعلام العراقي وشهد تغيرات كبيرة في فلسفة العمل الإعلامي. كما يؤكد أن تراجع المعايير لم يقتصر على الإذاعة وحدها وإنما شمل مجالات ثقافية وفنية عديدة الأمر الذي جعل صناعة النجوم أكثر صعوبة مما كانت عليه في الماضي.
معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني تجربة عربية رائدة
يتوقف خالد العيداني بفخر عند تجربة معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني الذي أسهم في إعداد أجيال من الإعلاميين العراقيين والعرب.
فالمعهد لم يكن مؤسسة تعليمية محلية فحسب بل تحول إلى مركز إقليمي استقطب متدربين من دول الخليج وشمال إفريقيا والشرق الأوسط وأصبح منافسا لأعرق المعاهد العربية.
ومن خلال هذا المعهد تطورت قدرات المذيعين والمخرجين والمصورين والفنيين وبرزت أسماء وصلت لاحقا إلى مواقع قيادية وأكاديمية وهو ما يؤكد نجاح فلسفة التدريب المستمر في بناء الإعلام الوطني.
التكنولوجيا لا تصنع المبدع
رغم اعتراف خالد العيداني بأهمية التقنيات الحديثة فإنه يرفض الاعتقاد بأنها تصنع إعلاميا ناجحا.
ففي رأيه كانت الأجهزة القديمة محدودة الإمكانات لكنها دفعت العاملين إلى الابتكار والاجتهاد وتعويض نقص الوسائل بالخبرة والمهارة.
أما اليوم فقد أصبحت التكنولوجيا تقدم إمكانات هائلة لكنها لا تستطيع أن تعوض ضعف اللغة أو غياب الثقافة أو نقص الخبرة. وهذا الرأي يعكس فلسفة مهنية تؤمن بأن الإنسان يبقى العنصر الحاسم في نجاح أي مؤسسة إعلامية مهما بلغت درجة تطور أجهزتها.
تكريم يحمل اسم العراق
من المحطات التي يعتز بها خالد العيداني حصوله على شهادة تقديرية ودرع الجامعة العربية بعد ترشيحه من وزارة الثقافة ليكون أول مذيع عراقي ينال هذا التكريم.
ولم ينظر إلى الجائزة بوصفها إنجازا شخصيا بل اعتبرها تكريما للعراق ولإذاعة بغداد التي خرجت أجيالا من الإعلاميين المعروفين في الوطن العربي.
وهذا الشعور يعكس انتماءه العميق للمؤسسة التي احتضنته منذ بداياته وظل وفيا لها حتى بعد سنوات طويلة من العمل.
وفاء لا ينتهي لإذاعة بغداد
بعد أكثر من خمسة عقود من العمل ما زال خالد العيداني يؤكد أنه مدين لإذاعة بغداد بكل ما حققه.
فهو يطبق حتى اليوم الأعراف المهنية التي تعلمها في سنواته الأولى ويرى أنها تمثل أساس النجاح الحقيقي لأي مذيع مهما تغيرت الظروف.
وهذا الوفاء لا يعبر عن ارتباط وظيفي فحسب بل عن علاقة وجدانية مع مؤسسة صنعت هويته المهنية ومنحته مكانته في الوسط الإعلامي.
خلاصة
تكشف تجربة خالد العيداني أن الإعلام الحقيقي لا يبنى بالشهرة السريعة ولا بالتقنيات الحديثة وحدها وإنما يقوم على منظومة متكاملة من التدريب والثقافة والانضباط واحترام اللغة والمسؤولية الوطنية. لقد مثل جيلا آمن بأن المذيع سفير لوطنه وأن الكلمة أمانة وأن الصوت يمكن أن يصنع تاريخا حين يقترن بالصدق والمعرفة. واليوم وبعد رحلة طويلة تجاوزت نصف قرن يبقى خالد العيداني واحدا من الأصوات التي حافظت على هيبة الإذاعة العراقية وأسهمت في ترسيخ تقاليدها المهنية وهو ما يجعل سيرته جزءا مهما من ذاكرة الإعلام العراقي وتجربة تستحق أن تدرس للأجيال الجديدة بوصفها نموذجا للإخلاص والاحتراف .