
طالب كريم
ضمن سلسلة مقالات التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للشاعر الكبير كاظم الحجاج كتابه الجديد الموسوم ذاكرة الورّاق سمعتُ قرأتُ رأيتُ حفظت وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات التي نشر معظمها في الصحف والمجلات العراقية والعربية والعالمية عبر سنوات طويلة من الكتابة والتجربة الثقافية. يفتتح المؤلف كتابه بمقدمة حملت عنوان عتبة الورّاق يوضح فيها طبيعة هذا العمل بوصفه رحلة معرفية تستعيد ما سمعه وقرأه ورآه وحفظه عبر عقود من الزمن مؤكداً أن كثيراً من المعارف التي تلقاها جيله في المدارس والجامعات لم تعد متاحة للأجيال الجديدة بالزخم نفسه وأن هذا الكتاب يأتي ليحفظ جانباً من تلك الذاكرة الثقافية والإنسانية ويقدمها للقارئ في صيغة تجمع المعلومة والرأي والطرفة ومتعة القراءة.
لا يقدم كاظم الحجاج في هذا الإصدار مجموعة مقالات تقليدية بل يفتح أمام القارئ خزائن من الذاكرة تمتد إلى أكثر من ستة عقود من المتابعة والقراءة والكتابة حيث يتحول الوراق إلى شاهد على التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية ويمنح الذاكرة وظيفة جديدة تقوم على التوثيق والإضاءة وإثارة الأسئلة. ويختصر المؤلف منهجه في العنوان الفرعي للكتاب سمعتُ قرأتُ رأيتُ حفظت وهي أربع كلمات تعكس مسيرة كاتب جعل من الذاكرة مصدراً للمعرفة ومن التجربة الشخصية نافذة لقراءة الواقع. ويتنقل الكتاب بين موضوعات متعددة تجمع الأدب والتاريخ والسياسة والمجتمع بأسلوب يمتزج فيه الحس الشعري بالسخرية الذكية والطرفة الهادفة. ففي صفحاته يقرأ المتلقي مقالات مثل أحرف الصوت أحرف الصورة و ظريف ظرفاء البصرة و نكات الشعوب و العرب والإعراب و من هم الشعوبيون كما يتوقف عند شخصيات ثقافية بارزة في مقالات منها محمود البريكان حياة مقفلة وموت مستباح ويستعيد صفحات من تاريخ المدينة في من ذاكرة يهود البصرة سالم عابد ليؤكد أن الذاكرة العراقية تتسع لجميع مكوناتها.
ويضم الإصدار أيضاً مقالات تتناول قضايا سياسية وفكرية واجتماعية مثل العثمانيون قادمون و هدايا المربد و هذا نظام البيعة و المستفيدون من الاحتلال و المسلحون بالإيمان و مشروع فيلم سينمائي إنتاج عراقي كويتي وهي نصوص تكشف قدرة المؤلف على الجمع بين النقد والتحليل والسخرية دون أن يفقد انحيازه للإنسان العراقي وهمومه اليومية.
ويؤكد هذا الإصدار أن الثقافة لا تكتمل بالمعلومة وحدها وإنما تحتاج إلى روح السرد وخفة الظل وحرية السؤال وهي السمات التي عرفت بها تجربة كاظم الحجاج طوال مسيرته الأدبية والصحفية فجاء كتاب ذاكرة الورّاق ليقدم للقارئ عملاً يوثق جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية العراقية ويعيد الاعتبار للمقالة بوصفها فناً يجمع بين المعرفة والإبداع.
يقع الكتاب في 260 صفحة من القطع المتوسط وصمم غلافه الفنان نورس نبيل يعقوب وصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة مقالات .