
هناك كتبٌ لا تُقرأ بوصفها نصوصاً فحسب، بل بوصفها قدراً إنسانياً أيضاً، وكتاب « مذكرات لم تكتمل» ليس مجرد سيرة يروي فيها عباس حسن بغدادي ذكريات ومحطات من حياته الحافلة، وإنما هو حكاية ذاكرتين تلاقتا في عمل واحد، ذاكرة صاحب المذكرات التي احتفظت بتفاصيل قرن من التحولات العراقية، وذاكرة معدها أحمد حمدي عبد الرحمن الذي آمن بقيمة هذا الإرث، فكرس سنوات من جهده لتدوينه وإخراجه إلى النور، قبل أن يختطفه الموت فلا تكتحل عيناه برؤية الكتاب مطبوعاً بين يديه.
ولعل أكثر ما يلامس القارئ منذ الصفحات الأولى هو تلك المقدمة المؤثرة التي كتبها أحمد حمدي، والتي تبدو اليوم وكأنها وصيته الأخيرة، فهو لا يقدم نفسه مؤلفاً، بل شاهداً وأميناً على ذاكرة رجل عرفه عن قرب، ووجد فيه خزينة للأحداث والأسماء والوقائع التي مرت بالعراق منذ بدايات الدولة الحديثة. ويحدثنا بصدق عن معاناة قراءة المخطوط المكتوب بخط يد عباس بغدادي في سنواته الأخيرة، وعن الأوراق التي لطختها بقع الزيت بعد أن احتفظت بها زوجته اللبنانية السيدة سولانج في أحد أركان المطبخ، وعن الجهد الذي استغرق عامين كاملين لتفريغ النص وتصحيحه وإعداده للنشر، وهي تفاصيل تمنح الكتاب قيمة إنسانية لا تقل عن قيمته التاريخية. ومن خلال صفحات الكتاب تتكشف أمام القارئ رحلة طويلة تمتد من البدايات، ولواء الكوت، وسوريا، والديوانية، وسامراء، وبغداد، وصولاً إلى حكومة الدفاع الوطني، وذكريات الاعتقال، ثم المشاهدات في دمشق وعمّان، وهي ليست محطات شخصية فحسب، وإنما نوافذ يطل منها القارئ على تاريخ العراق السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، من خلال شاهد عايش الأحداث والتقى رؤساء الوزارات والسياسيين وكبار الموظفين ورجال الأعمال والفنانين والأدباء، واحتفظ في ذاكرته بتفاصيل قد لا نجدها في الوثائق الرسمية، مثلما فعل في كتابه الأول « بغداد في العشرينيات «. وقد أدرك معد المذكرات أن الذاكرة الفردية قد تتحول، إذا أُحسن تدوينها، إلى وثيقة وطنية، لذلك فإنه تعامل مع هذه الذكريات بروح الباحث لا بروح الناسخ، وحرص على أن يبقى صوت عباس بغدادي هو الصوت الأعلى في الكتاب، مكتفياً بدور الأمين الذي ينقل الأمانة إلى الأجيال القادمة، وهذه ميزة تحسب له، لأنها أبقت النص محتفظاً بعفويته وصدقه وحرارته الإنسانية، كما أن رحيله قبل صدور الكتاب يضفي على هذا العمل مسحة من الأسى، لكنه في الوقت نفسه يمنحه معنى الوفاء. فقد أدى رسالته كاملة، ثم مضى، تاركاً للقارئ ثمرة جهده شاهدة على إخلاصه للثقافة وللذاكرة العراقية، وربما لم يكن بحاجة إلى أن يرى النسخة المطبوعة بقدر حاجته إلى أن يطمئن إلى أن هذه الصفحات لن تضيع مع الزمن، وقد تحقق له ذلك.
لهذا لا يمكن النظر إلى « مذكرات لم تكتمل « على أنه كتاب مذكرات فقط، بل هو عمل يوثق مرحلة كاملة من تاريخ العراق، ويكرم في الوقت نفسه رجلين، أحدهما حفظ الأحداث في ذاكرته، والآخر أنقذ تلك الذاكرة من الضياع .