رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الشطرة .. محطة الوعي الأولى


المشاهدات 1062
تاريخ الإضافة 2026/07/12 - 10:25 PM
آخر تحديث 2026/07/12 - 11:40 PM

المدن ذات الشخصية الفريدة تعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته لثقافته وأحلامه. حتى إن بعض الفقهاء غيّر فتاواه تبعًا للمدينة التي توطنها؛ فكان له في العراق مذهب، وفي مصر مذهب آخر. لكل مدينة شخصيتها وروحها وذاكرتها وإيقاعها الثقافي. الإنسان الذكي الحساس يتشكل وعيه على شاكلتها، تبعًا لاستعداده ووعاء شخصيته.

شهدت حياتي أربع محطات أساسية أسهمت في تكوين وعيي وإعادة تشكيل رؤيتي للعالم: كانت الأولى إعدادية أكد في الشطرة، والثانية حوزة النجف، والثالثة حوزة قم، والرابعة بغداد، حيث توطنت بعد عودتي من المنفى، ورأيت في سمائها «ألا سماء كسماء وطني».

كانت حياتي في القرية مريرة منذ طفولتي حتى مرحلة المراهقة. لا أتذكر أنني شبعت من طعام في القرية؛ فلم يكن لدينا من الطعام إلا الخبز، وكان الشاي شرابنا الوحيد. وقد أدمنته أمي. كان أبي يذهب على فرسه كل بضعة أشهر إلى سوق مدينة قلعة سكر، التي تبعد عنا خمسة عشر كيلومتراً، فيشتري السكر والشاي والتبغ فقط، ويجلب معه برتقالة واحدة أحياناً. كنت أشمها طويلاً، وكانت رائحتها أعذب عطر عرفته في تلك الأيام. تحتفظ أمي بقشر البرتقالة، وتجففه وتطحنه، ثم تستعمله دواء لعلاج سوء الهضم وأمراض الجهاز الهضمي. كنت أعتقد أن البرتقال فاكهة طبية خاصة، توصف للعلاج، ولا تؤكل إلا في حالات المرض.

بعد اكمالي الدراسة المتوسطة بمدينة «قلعة سكر»، في محافظة ذي قار جنوب العراق، انتقلت إلى مدينة الشطرة، وأقمت فيها ثلاث سنوات حتى تخرجت في الدراسة الثانوية. أول مرة شبعت فيها من الطعام كانت سنة ١٩٧١، في إعدادية زراعة أكد في هذه المدينة، حين أقمت في السكن الطلابي المعروف بـ «القسم الداخلي». كان يقدم لنا ثلاث وجبات يومياً، تتضمن وجبة الغداء الرز والمرق، ومعهما اللحم أو الدجاج أو السمك المقلي، وبرتقالة أو تفاحة أو موزة. كانت تلك أول مرة أعرف فيها الشبع، وأرى الفاكهة جزءاً من الطعام اليومي، بعد أن ظل البرتقال في مخيلتي دواء لا يؤكل إلا عند المرض.

كانت الشطرة، قبل أكثر من نصف قرن، تمتلك شخصية مدينة لا تخلو من فرادة في محيطها الإقليمي. هذه المدينة تشهد عروضاً سينمائية ليلية، وفيها استوديو حديث للتصوير الفوتوغرافي، أسسه مصور محترف. ومكتبة عامة غنية. في تلك المكتبة قرأت الجزء الأول من كتاب «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» للدكتور علي الوردي، وكتبت تعليقات على حواشي صفحاته. لا أعرف اليوم مدى أهمية تلك التعليقات، بوصفها تمارين أولى على الكتابة، غير أنني أتمنى العثور عليها، كي أتعرف إلى منطق التفكير الذي كان يستحوذ على عقلي في ذلك الوقت. الافتقار إلى الأرشيف الشخصي حرمان من أهم الأدوات التي نكتشف من خلالها تاريخ تشكل وعينا، ومسار تطور أفكارنا، وتحولات طرائق التفكير، والمنعطفات التي عبرها العقل في رحلته.

في هذه المدينة كان بعض الشباب يهتمون بمطالعة الكتب والصحف والمجلات، ويحاولون الانفتاح على عصرهم ومواكبة كل جديد في حدود إمكاناتهم الضيقة. تتردد في أحاديثهم أسماء بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء والكتاب، ويشيرون إلى ما ترجم من مؤلفاتهم إلى العربية.

وقد وصف بعضهم «الشطرة» آنذاك بـ «موسكو الصغرى»، لاتساع القاعدة الشبابية للحزب الشيوعي العراقي فيها. لم أكن يوماً شيوعياً، ولن أكون شيوعياً فيما تبقى من عمري، وإن كنت صديقاً قريباً للشيوعيين في كل مراحل حياتي حتى اليوم، حتى ظن أحد مسؤولي الاتحاد الوطني للطلاب في الإعدادية أنني شيوعي أتكتم على انتمائي. على الرغم من تطبيق الشيوعية للضمان الاجتماعي الشامل، وهو ما يغويني فيها، فإنني لا أطيق محو ذاتي. الشيوعية تمحو الذات حين تختزل الإنسان الفرد إلى ترس في ماكينة كبرى هي المجتمع، وتتجاهل ذاته واحتياجاته الروحية والعاطفية العميقة. وأنا إنسان مؤمن، لا أستطيع أن أعيش من دون إشباع حاجتي إلى المعنى الروحي.

كان للحضور الواسع للحزب الشيوعي في الشطرة أثر واضح في إكساب المدينة طابعاً ثقافياً مميزاً، ظهر في شيوع القراءة، وتداول الكتب، والاهتمام بالأدب والفن والمسرح والسينما. نقل لي صديق شيوعي أن عدد المنتمين إلى الحزب في الشطرة بلغ عشرة آلاف في سبعينيات القرن الماضي، قبل انهيار الجبهة الوطنية في العراق. وبصرف النظر عن دقة هذا الرقم، فإنه يكشف عن اتساع نفوذ الحزب في المدينة، وعمق أثره في تشكيل حياتها الثقافية والسياسية.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت «الشطرة» أكثر تحضراً من المدن الصغيرة المجاورة لها. انفردت هذه المدينة بمكتبة لبيع الصحف والمجلات كان صاحبها، وهو رجل كهل آنذاك، معروفاً بميوله اليسارية. تبيع مكتبته مجلة «العربي» الكويتية، وغيرها من المجلات والصحف العراقية. في الشطرة مطاعم تقدم أكلات شهية لم أذقها من قبل، وصالة لعرض الأفلام، دخلت فيها السينما لأول مرة، وشغفتني رومانسية الأفلام الهندية. كنت أغرق في انفعالات حادة حين يتصاعد التمثيل إلى ذروة المواقف العاطفية والتراجيدية، فتشتعل الكلمات بالمشاعر. أكثر من مرة كانت دموعي تباغتني وأنا أغرق في حزن مشاهدها وآلامها، وهي تثير في داخلي مشاهد موجعة وكأنها تحكي مواجع البؤساء في قريتي. كثير من الأفلام الهندية تصور حياة بؤساء الهند، وكأنها تتحدث بلغة تستأنف شيئاً من مرارات طفولتي وفتوتي ومواجعها وجروحها.

بعد أقل من عامين امتنعت عن دخول السينما، وهجرت مشاهدة الأفلام، ونفرت من الاستماع إلى الموسيقى، ولم أعد أتذوق فتنة الألوان في الصور الجذابة. حدث ذلك بعد أن طالعت كتابات الإسلام السياسي في الصف الخامس الثانوي. شغفت مشاعري الصور المتخيلة للمدينة الفاضلة في كتاباته، فكنت كلما غرقت في مطالعتها، سجلت غياباً جديداً عن الحياة. وكلما أوغلت فيها، ابتعدت عن تذوق صور الله المضيئة ورحمته وتجليات جماله في الوجود.

في الشطرة بدأت الصور تتراكم في أرشيفي الشخصي؛ فقد كان بعض زملائي يمتلكون كاميرات تصوير عادية، وكان في المدينة مصور يكاد يحتكر هذه الحرفة، ولا يكف عن التفنن في تلوين الصور وتجميلها. بالتدريج اجتمعت لدي مجموعة من الصور شكلت أول ألبوم اقتنيته مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين كنت في السادسة عشرة من عمري. ثم أضفت إليه ألبوماً آخر بعد سنوات. غير أن مسلسل إحراق صوري تكرر في العراق، حين اضطررت إلى الهرب من مطاردة أجهزة الأمن الصدامية، ثم في الكويت. ولحرق صوري ومكتبتي هناك قصة أخرى، أشرت إليها في كتابي «مسرات القراءة ومخاض الكتابة».

بعد عودتي من المنفى، الذي أمضيت فيه نحو ربع قرن، زرت الشطرة، وذهبت إلى محل ذلك المصور، فوجدت أحد أبنائه. حدثته عن أنني كنت زبوناً لأبيه قبل أكثر من خمسين عاماً، وأعربت له عن أملي في العثور لديهم على نماذج من صوري القديمة. بعد أن فقدتها كلها. لم أعثر من صور السبعينيات إلا على ثلاث: الأولى تعود إلى العام الدراسي ١٩٧١، والثانية التقطت لي في الشطرة عام ١٩٧٢ مع زميلي في الثانوية، جبار هزل من مدينة الفهود، وقد احتفظ بها وقدمها لي بعد عودتي إلى الوطن، أما الثالثة فكانت مع صديق العمر المرحوم صالح هادي عودة السعيدي، حين زرته في الموصل خريف عام ١٩٧٣، وكان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية.

إشارة: كان هذا المقال فقرة كتبتها منذ سنوات في مسودات مذكراتي، وأنشرها اليوم تعبيراً عن امتناني للدكتور عدنان طعمة، الذي تكرم بإرسال نسخة من أطروحته للدكتوراه المخطوطة، الموسومة: «الهوية الثقافية في البرامج الحوارية التلفزيونية: مقاربة في التحليل النقدي للخطاب». بعد الاطلاع عليها رأيتها منجزاً استثنائياً؛ فقلما صادفت في هذه الأيام أطروحة تضاهيها رصانة، وسعة استيعاب، وجودة لغة، وثراء في المراجع، خاصة الإنجليزية منها، ومواكبة لأحدث المؤلفات وأهمها في موضوعها. أنشر هذا المقال أيضاً امتناناً وعرفاناً لمبادرة الدكتور عبد الكريم الشيخ ودعوته، ولمدينة الشطرة العزيزة على قلبي وأهلها الكرام. الكرم من أبرز ما يتميز به مجتمعنا، حيث يمنح الإنسان العراقي عواطفه وكل شيء مجاناً. وقد اعتذرت عن دعوة الدكتور عبد الكريم الشيخ، كعادتي السيئة في تكرار الاعتذار عن الدعوات، على الرغم من حضوري المتواصل عبر كتاباتي.


تابعنا على
تصميم وتطوير