رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
لا تمنح الشامتين مفاتيح أوجاعك


المشاهدات 1058
تاريخ الإضافة 2026/07/06 - 9:54 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 3:30 AM

“هذني اليوجعنك لا تراويهن… الوادم تشوفك تشكك بيهن”
ليست مجرد كلمات من الموروث الشعبي الجنوبي، بل خلاصة تجربة إنسانية طويلة صاغتها الحياة بمرارتها قبل أن تنطق بها الألسن، فمع الأيام يكتشف الإنسان أن الناس ليسوا سواء، فمنهم من يقترب من وجعك ليخففه، ومنهم من يقترب منه ليتأكد أنه ما زال ينزف.
حين تضيق بنا السبل ونثقل بالأحزان، نميل بطبيعتنا إلى الشكوى والبحث عمن يسمعنا، نريد كتفاً نستند إليه وقلباً يشاركنا حمل ما نعجز عن حمله وحدنا، لكن المشكلة لا تكمن في الشكوى نفسها، بل في اختيار من نشكو إليه، فليس كل مستمع ناصحاً، وليس كل متعاطف صادقاً.
كم من سر أُودع في غير موضعه فتحول إلى حديث يتناقله الناس، وكم من ضعف كشفه صاحبه طلباً للمواساة فعاد إليه مضاعفاً على هيئة شماتة أو استهزاء أو استغلال، فبعض النفوس لا ترى في آلام الآخرين درساً في الرحمة، بل فرصة لإشباع فضولها أو تعزيز شعورها بالتفوق.
إن الأوجاع تشبه الجواهر الثمينة في جانب منها، كلاهما لا يُسلَّم إلا لمن يُؤتمن عليه، وما يخرج من القلب إلى العلن يفقد شيئاً من حرمته، وقد يصبح مادة للتأويل والإضافة والتحريف. لذلك كان الحكماء يحذرون من البوح العشوائي، لأن الكلمات إذا غادرت أفواهنا لم تعد ملكاً لنا.
ولا يعني ذلك أن نغلق أبوابنا في وجه الناس أو أن نكتم ما يثقل أرواحنا حتى الاختناق، فالإنسان خُلق ضعيفاً ويحتاج إلى من يسانده. لكن الحكمة تقتضي أن نميز بين الصديق الذي يحفظ وجعنا كما يحفظ كرامتنا، وبين من يجمع الحكايات كما يجمع الصياد فرائسه.
الشامتون موجودون في كل زمان. يبتسمون أحياناً، ويبدون متعاطفين أحياناً أخرى، لكنهم يجدون في تعثر الآخرين عزاءً لنقص يسكنهم، هؤلاء لا يستحقون أن نمنحهم مفاتيح أحزاننا، لأنهم لا يبحثون عن علاج الجرح، بل عن فرصة للنظر إليه.
في الحياة معارك كثيرة نخوضها بصمت، وربما كان الصمت في بعض الأحيان أكثر بلاغة من الشكوى، فليست كل الأوجاع تُروى، وليست كل الدموع تُرى ، وبعض الجروح تلتئم حين نتركها بيننا وبين الله، بعيداً عن عيون المتربصين وألسنة الفضوليين.
لذلك تبقى الحكمة الشعبية صادقة رغم بساطة كلماتها: لا تكشف وجعك لكل أحد، فبين الناس قلوب رحيمة تستحق الثقة، وبينهم أيضاً من يحول الألم إلى فرجة، والسر إلى حكاية، والجرح إلى مناسبة للشماتة.


تابعنا على
تصميم وتطوير