
للمرة الأولى منذ 2003، تبدو الدولة في العراق وهي تكسر جدار الصمت وتوجه ضربات مباشرة إلى ما بات يعرف بـ«الدولة العميقة». أوامر قبض تطول نواباً محصنين، ملفات فساد كبرى تفتح بعد إغلاقها لسنوات، واعترافات تفك شبكات كانت تدير مفاصل المال والسلطة من الظل.
كان اعتقال السياسي المحصن خطاً أحمر.. اليوم هذا الخط انكسر. فمع دخول مجلس النواب العطلة التشريعية، تحرك القضاء ورفع رئيس المجلس الحصانة عن نواب متهمين بقضايا فساد وتهريب وابتزاز، دون العودة إلى تصويت المجلس.
الخبير الدستوري عباس العقابي يلخص المشهد: أصبحوا أشخاصاً عاديين يطبق عليهم القانون العراقي، وهي جملة كانت مستحيلة قبل عامين.
تحول قانوني بسيط، لكنه يحمل دلالة سياسية كبرى لم تعد الحصانة درعاً بل ورقة قابلة للسحب.
بدأت الانتفاضة من الداخل باعترافات المتهم عدنان الجميلي، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بشبكات تهريب الدولار والنفط، فتح القضاء سلسلة ملفات كانت مغلقة بإحكام.
مصدر قضائي يقول كل اسم يعترف الجميلي عليه، يتحول إلى مذكرة قبض جديدة، وهكذا تحول التحقيق من ملف فرد إلى خريطة شبكة كاملة.
الدولة هنا لا تلاحق أشخاصاً بل تهدم بنية.. بنية قامت على المحاصصة والابتزاز وشراء الذمم.
ما ميز هذه المرحلة أن القضاء تحرك دون ضوء أخضر سياسي.
تقول أوساط قانونية إن القضاء اليوم لا يبالي بالطبقة السياسية ولا بالخلفيات الحزبية..الدولة العميقة في العراق لم تكن نظرية، كانت تحالفاً بين مال سياسي، نفوذ عشائري، وحماية برلمانية. كانت تبتز الوزارات وتسيطر على المنافذ وتعيد تدوير المال المسروق عبر شركات وهمية.
اليوم هذه المعادلة تتصدع، لأن السلطة التنفيذية قررت أن تحمي القضاء، لا أن تحمي المتهمين، ولأن الرأي العام لم يعد يقبل بمنطق الكل فاسد فلا أحد يحاسب.
ما يجري ليس تصفية حسابات، هو محاولة لإعادة تعريف الدولة من دولة محاصصة تحمي شبكاتها إلى دولة مؤسسات تحاسب شبكاتها.
الطريق لا يزال طويلاً.. والشبكات لن تسقط بجولة قبض واحدة. لكن الفارق هذه المرة أن الدولة قررت أن تنتفض، ولأول مرة الانتفاضة جاءت من داخل القانون، لا ضده.
هل تستطيع الدولة استكمال الانتفاضة حتى النهاية أم ستتوقف عند رأس الشبكة وتترك الجذور؟