رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الحسين عليه السلام الأمد الذي لا ينقطع


المشاهدات 1162
تاريخ الإضافة 2026/06/29 - 9:49 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 8:22 PM

في حياة الإنسان أحداث لا تُقاس بمرور الزمن، بقدر ما تُقاس بعمق أثرها في الوجدان. فبعض الوقائع لا تنطفئ بغياب أصحابها، بل تبقى حاضرة كأنها تتجدد في الذاكرة كلما استُحضرت، لا بوصفها حدثا مضى، بل بوصفها أثرا إنسانيا يتجاوز حدود الزمان.
ولعل الإمام الحسين (عليه السلام) أبرز من يجسد هذا المعنى في الوجدان الإنساني. فسيرة إمام خرج للإصلاح لم تنتهِ برحيله، بل ابتدأ حضورها الحقيقي بعد شهادته. ولم تُقرأ واقعة كربلاء في التاريخ على أنها حادثة انقضت، وإنما بقيت حيّة في الضمير الجمعي للمؤمنين، تتجدد مع كل مرثية تُتلى، ومع كل بيت شعر يُستهل، حتى لكأن الزمن لم يستطع أن يضع بينها وبين الحاضر قياسا حقيقي.
وأصدق شاهد على هذا الحضور المتجدد، ما كانت تبديه السلطات الحاكمة عبر العصور من خوفٍ بالغ من ذكرى الحسين. فالاستنفار الأمني، والانتشار الكثيف لأجهزة الدولة، لم يكونا إلا اعترافا ضمنيا بقوة هذه الذكرى ومدى استشعارهم بخطرها عليهم. حتى إن من كان يردد: «يا ليتنا كنا معكم» بدافع المحبة والولاء، كان يجد نفسه أحيانا يعيش شيئا من تبعات ذلك الولاء تحت وطأة أنظمة لم تستطع أن تتعامل مع الذكرى إلا بوصفها مصدر قلق دائم.
إن حضور الحسين (عليه السلام) لا يختزل في ألمٍ تاريخي كما قد يتصوره البعض، وإنما في الكيفية التي يتحول بها ذلك الألم إلى حالة وجدانية، تُستعاد لا لتجديد الحزن فحسب، بل لاستحضار المعنى والوفاء والارتباط الروحي بشخصية عظيمة حملت من القيم ما تجاوز حدود الزمان والمكان. ولهذا لا تُستقبل المراثي الحسينية بوصفها سردا لمأساة مضت، بل بوصفها لقاءً متجددا مع قيم الصبر والكرامة والحق.
لقد بثّ الله في الإنسان نعمة البكاء، وجعلها من أعظم وسائل التعبير عن أعماق النفس. غير أن البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) يبقى حالة متفردة تستحق التأمل والبحث؛ فهو ليس انفعالا عابرا، بل استجابةً وجدانيةً متجددة. فالمراثي الحسينية لا تُستعاد بوصفها حزنا خالصا، بقدر ما هي حضورا حيا يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والقيم التي تجلت في كربلاء. ومع كل تكرار للاستماع إليها، لا يخفت أثرها، بل يتجدد انهمار الدموع، وكأن الوجدان يستجيب في كل مرة للنداء ذاته، فيجد الباكي نفسه أكثر اتصالا بمعاني الثبات والوفاء والإنسانية التي جسدها الإمام الحسين على روحه المحبة والسلام.
وهنا تتجلى مفارقة إنسانية عميقة؛ فالأحداث المرتبطة بالحسين لا تموت كما تموت سائر الذكريات، بل تبقى حيةً نامية، لا انقطاع لأثرها ولا نهاية لحضورها، على نحو يعجز عنه الزمن نفسه. وحتى الألم الذي يرافق استحضار أحداث كربلاء لا يعود على النفس بالوجع وحده، بل يتحول إلى نوع من الأنس الداخلي، وإلى مساحة وجدانية لا نستحضر فيها الحسين وحده، بل نستحضر أيضا اشخاصاً أحببناهم ورحلوا عن الدنيا، فنشعر وكأنهم يحظون بمعيةٍ كريمة في رحاب الحسين.
ولذلك تركت ذكرى الإمام الحسين (ع) أثرا فريدا في تجربة الفقد الإنساني، وسعيد من حظي بها. فحين يمتزج الألم بالمحبة، والفقدان بالانس٬ يتحول ذلك الشعور من ذكرى ثقيلة إلى حضور تأملي وجمال مطلق يبقى في القلب مهما تعاقبت الأيام وتبدلت الأزمنة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير