
تطالعنا وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كل يوم بأخبار الفاسدين الذين بدؤوا الواحد يعترف على الاخر، فيسرعوا الى حرق الاموال والادلة او اخراجها من باطن الارض حيث دفنوها من اجل تهريبها او التخلص منها مما يثير حفيظة المواطن مما يرى ويسمع، فالأموال المدفونة في باطن الأرض ليست مجرد أوراق نقدية أُخفيت عن الأنظار، بل عنوان لخوفٍ عميق من الحقيقة، وشاهدٌ على أزمة أخلاقية ونفسية وقانونية تتجاوز قيمة المال ذاته .. فالمال في أصله وُجد ليكون وسيلة للتداول وبناء الاقتصاد، لا ليُحبس في حفرٍ مظلمة خوفًا من العدالة ولا ليحرق في تنور
من الناحية النفسية، يعيش الفاسد حالةً من التناقض المستمر..فهو يسعى إلى جمع الثروة بأي وسيلة، لكنه يعجز عن الاستمتاع بها..يصبح المال بالنسبة إليه هاجسًا لا نعمة، فيطارده الشك، ويعيش أسيرًا للخوف من انكشاف أمره.. لذلك يلجأ إلى إخفائه في أماكن بعيدة عن الأعين، وكأنه يدفن قلقه مع تلك الأموال.. والمفارقة أن من يملك الملايين قد لا يشعر بالأمان الذي ينعم به إنسان بسيط ينام مرتاح الضمير، فالفساد لا يمنح الطمأنينة، بل يورث صاحبه عزلةً وارتيابًا دائمين.
أما من الناحية القانونية، فإن إخفاء الأموال المتحصلة من الرشوة أو الاختلاس أو استغلال المنصب أو غيرها من الجرائم المالية يُعد في كثير من الأنظمة القضائية قرينةً على محاولة إخفاء متحصلات الجريمة وعرقلة وصول العدالة إليها. ولا يقتصر التجريم على الحصول غير المشروع على المال، بل يمتد إلى وسائل إخفائه ونقله وتمويهه، لأنها تمثل حلقةً من حلقات الجريمة الاقتصادية التي تضر بالمجتمع والدولة معًا.
اقتصاديًا، الأموال المدفونة أموال ميتة فهي لا تُستثمر، ولا تخلق فرص عمل، ولا تُسهم في الإنتاج أو التنمية.. إنها تخرج من الدورة الاقتصادية، فيخسر المجتمع قيمتها المضافة، بينما تتعطل مشاريع كان يمكن أن تُبنى بها مدارس أو مستشفيات أو مصانع أو بنى تحتية تخدم المواطنين.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الفساد لا يسرق المال العام فقط بل يسرق ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها .. فعندما يرى المواطن ثرواتٍ تُخفى في باطن الأرض، بينما يعاني هو وآخرون من نقص الخدمات وفرص العمل، تتولد لديه قناعة بأن العدالة غائبة، وأن القانون لا يُطبق على الجميع بالقدر نفسه.
إن دفن الأموال ليس دليلًا على الذكاء في إخفائها، بل دليل على الخوف من مشروعيتها.. فالمال النظيف يبحث عن الاستثمار والنمو، أما المال الملوث فيبحث عن الظلام. وبينما تُدفن الأموال في التراب، تبقى الحقيقة عصيةً على الدفن، لأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تفقد حقها في الوصول إلى ما أُخفي، ولأن التاريخ يثبت أن الثروات غير المشروعة نادرًا ما تبقى سرًا إلى الأبد.
لك الله يا عراق.