
أدهشني ما سمعته من أخبار عن خزن أموال ضخمة في منزل احد سراق المال العام تقدر اقيامها بملايين الدولارات ومليارات الدنانير العراقية، وأثار شجوني اكثر قيام زوجة السارق بحرق البعض منها خوفا من الكشف عليها ووضعهم تحت طائلة المحاسبة القانونية والمساءلة حول مصدر هذه الاموال.. هذه الاخبار المرعبة اعادت بي الذاكرة الى يوم تسلمت زوجتي مبلغ سبعة عشر مليون دينار عراقي مكافأة نهاية خدمة بعد احالتها على التقاعد، فتسلمنا المبلغ وهو مبلغ كبير بالنسبة لنا نحن عباد الله، وقمنا بتصريفه الى مايعادله بالدولار لتصغير حجمه وامكانية الاحتفاظ به وخزنه في البيت، وازداد خوفنا من امكانية ايجاد مكان امن له داخل بيتنا المتواضع يبعدنا عن امور لا تحمد عقباها بعد احتمال فقدانه، وبعد عدة محاولات وافكار غير مقنعة اهتدينا الى محاولة اخفائه في مكان لايخطر على بال الشيطان، وهي قيامنا بفتح اللوح الخلفي لغسالة الملابس الكهربائية ووضعه في الجهة اليسرى من الفراغ الموجود داخلها بعيدا عن محرك الغسالة «الماطور»، واطمأنت قلوبنا على هذا المكان، ولم يمضِ شهر على ذلك حتى اخبرتني زوجتي عن وجود دخان ورائحة « عطاب» تخرج من داخل الغسالة، فأسرعت وأنا اردد مع نفسي واقول « بس لا الفلوس احتركن»، وأنا افتح الغلاف الخلفي للغسالة صعقت بما شاهدته حيث شاهدت ان المبلغ المخزون تحرك من الجهة اليسرى الى الجهة اليمنى نتيجة اهتزاز « ماطور» الغسالة، وتسلمها الوحش الكامن هناك « الماطور» تمزيقا دون رحمة بعد ان اصدر قرار إعدامها رغم كونها فلوس حلال لم تأتِ من السحت الحرام، وقمت بإخراجها وعيوني تدمع على قرار الاعدام غير المنصف حيث تمكنت من تحرير نصف المبلغ والباقي اصبح في عداد الاموات، وجمعت المبلغ المتبقي الذي تبلغ اقيامه أرقاما محزنة، وتوكلت على الله وذهبت الى مكتب صرافة قريب وعرضتها امامه، فـخرج منها عشرة اوراق نقدية وعرض عليّ شراءها بمئة الف دينار للورقة الواحدة، وهو عرض سخي قد ينقذني من هذه الورطة، ورفض تسلم المتبقي كون اضرارها بالغة، فاتكلت على الله وذهبت مسرعا الى البنك المركزي الذي رفض تسلمها، وعرضتها على مكتب صرافة قريب فاشتراها بعد قيامه بفرزها حسب حجم الاضرار بمبلغ زهيد جدا كونها ممزقة ولا رجاء من تصريفها او شرائها، وعند حساب القسمة ومجموع المبلغ المستحصل وجدت ان الخسارة تبلغ بحدود اربعين ورقة بالتمام والكمال، ورضيت بما قسم الله لنا ورجعت الى البيت وأنا اعتبر نفسي منتصرا جراء هذا الحادث، وكان رضى الزوجة متطابقا لما اشعر به.. هذا الحادث اعاد بي الذاكرة لما حصل من مفارقات عجيبة وانا اسمع أن زوجة احد المسؤولين السراق وهي تحرق مبلغا كبيرا لغرض التستر على سرقة زوجها من مال الشعب، فقلت مع نفسي لاتتعجب ابو سعود فـ« مال اللبن للبن»، ولا اعرف مايعني هذا الكلام، لكن دلالته واضحة لان المال غير المتعوب فيه غالبا مايذهب دون شعور بالذنب او الحزن على قيمته الاعتبارية، وكفانا الله شر المال الحرام الذي يأتي من سرقة الشعب المغلوب على أمره.. وشر البلية ما يضحك.