
تشتد الحاجة اليوم إلى دراسة علم الأديان ومقارنتها في الحوزات، ومعاهد التعليم الديني في الإسلام، لأنها المؤسسات التي تتولى التكوين العلمي والتربية الدينية لطلابها، وتأهيلهم لتدريس الدين، والتبليغ والدعوة إليه، وإدارة الشأن الديني. هذه المهمات ذات أثر عميق في تشكيل الوعي الديني، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية، وصياغة رؤية الإنسان لذاته وللعالم وللآخر المختلف معه في الدين أو المذهب أو الثقافة.كل تعصب أعمى في فهم الدين، وكل تفسير مغلق لنصوصه، يحول الدين إلى أداة للفرقة والصراع، بعد أن جاء ليكون مصدرًا للهداية والرحمة والسلام. الجهل بالأديان الأخرى، والامتناع عن دراستها دراسة علمية، يغذي الصور النمطية، ويكرس الأحكام المسبقة، ويغلق أبواب التعارف والحوار، ويضعف القدرة على العيش المشترك. دراسة الأديان دراسة علمية مقارنة لا تعني التخلي عن الإيمان بالدين الذي يعتنقه الإنسان، ولا تنتهي إلى تذويب الفوارق بين الأديان، وإنما تهدف إلى العودة إلى نصوص الأديان في دراستها، وفهم كل دين في سياقه التاريخي والثقافي والروحي، والتعرف على ظروف نشأته وأحوال المجتمع الذي ظهر فيه، واكتشاف ما تختزنه التجارب الدينية المختلفة من قيم ومعان وخبرات إنسانية.
المعرفة العلمية بالأديان تفكك التعصب، وتدرب العقل على الإنصاف، وتغرس احترام كرامة الإنسان المختلف، وتوسع أفق فهم الدين، وتكشف أن التجربة الدينية أوسع وأغنى من حدود التفسير الواحد، وأن صور تجلي المقدس في حياة البشر أكثر تنوعًا مما يتصوره الفهم المغلق. لا يمكن لمؤسسات التعليم الديني أن تنهض برسالتها في عالم تتفاعل فيه الثقافات وتتداخل فيه المجتمعات ما لم تدرج دراسة علم الأديان ومقارنتها ضمن برامجها الأساسية، وتنتقل من الاكتفاء بتعليم العقائد الخاصة إلى تكوين وعي ديني منفتح يمتلك القدرة على الحوار، ويعرف الآخر كما يعرف نفسه، ويحترم الاختلاف، ويؤمن بأن المعرفة المتبادلة شرط للسلم الأهلي، وأن مستقبل المجتمعات لا يصنعه نفي الآخر المختلف، وإنما يصنعه الوعي العلمي، والحوار، والاعتراف المتبادل.
من الضروري أن يعود الباحث اليوم إلى المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وما أنجزته من نتائج معرفية بالغة الأهمية، من خلال الإفادة من مناهج اللغة واللسانيات وعلوم التأويل في فهم النصوص الدينية، والاستعانة بالبحث التاريخي للكشف عن ظروف تشكل هذه النصوص، ورحلتها عبر الزمان، والتمييز بين ما هو شفوي وما هو مدون منها. كما تقتضي هذه المناهج دراسة الميراث الديني دراسة علمية نقدية، والكشف عما هو تاريخي وما هو أسطوري في الشخصيات والأحداث والأماكن وسائر عناصر السرديات الدينية. لم تعد المناهج التقليدية في دراسة الأديان قادرة على إنتاج معرفة جديدة، لأنها ما زالت تدور في فضاء التراث، فيفسر التراث فيها التراث، ويعيد إنتاج أسئلته وأجوبته وسلطته، من غير أن ينفتح على المناهج الحديثة وما تتيحه من آفاق أرحب للفهم وإنتاج المعرفة العلمية بالأديان.
تفرض الدراسة العلمية للأديان اليوم على الباحث أن يتجاوز حدود النصوص والعقائد والتاريخ المعلن، وأن يتجه إلى اكتشاف ما أنتجه المتخيل الديني للجماعات المؤمنة، بوصفه أحد أهم العوامل التي أسهمت في إعادة تشكل الأديان وصياغة وعي أتباعها. الدين، كما عاشته الجماعات في التاريخ، لا يتطابق دائمًا مع نصوصه المؤسسة، ولا مع لحظته التأسيسية الأولى، وإنما يتشكل باستمرار من التفاعل بين النص والذاكرة الجمعية والمتخيّل الديني والبيئة الاجتماعية والثقافية والتحولات السياسية والظروف المعاشية والحاجات النفسية والروحية. في سياق هذا التفاعل يولد المتخيّل الديني، فيعيد إنتاج الشخصيات والأحداث والرموز، ويمنحها دلالات جديدة تتجاوز حدود الوقائع التاريخية.
لا يقتصر المتخيّل الديني على الأساطير والحكايات الشعبية، وإنما يمتد إلى إعادة رسم صورة الأنبياء والأولياء والأئمة والقديسين والحواريين والصحابة والكهان، وتشكيل تصورات الخلاص والعالم الآخر، وبناء السرديات المرتبطة بالكرامات والمعجزات وأحداث آخر الزمان، وغير ذلك مما يتجاوز التاريخ الأرضي إلى تاريخ تصوغه الذاكرة الدينية. لا يقف المتخيّل عند إنتاج الصور والرموز، بل يؤسس نظامًا متكاملًا لإنتاج المعنى، يعيد من خلاله تأويل النصوص، ويمنح الوقائع دلالات جديدة، ويربط بين أحداث متباعدة، ويملأ الفراغات التي يتركها النص أو التاريخ، فتتشكل شبكة واسعة من المعاني التي تغذي وعي الجماعة الدينية. وهكذا لا يتلقى المؤمن المعنى من النص وحده، وإنما يتلقاه أيضًا من السرديات التي ينتجها المتخيّل، ومن الرموز التي يصوغها، ومن الذاكرة الجمعية التي تعيد تفسير الماضي في ضوء حاجات الحاضر وتطلعات المستقبل. بمرور الزمن يكتسب نظامُ إنتاج المعنى الذي صنعه المتخيّل سلطةً تفوق سلطة النص في وعي الجماعة، فيغدو مرجعًا لتفسير الدين، وتوجيه السلوك، وصياغة الهوية، وبناء الطقوس والشعائر. يتحول هذا النظام إلى الإطار الذي تُقرأ النصوص من خلاله، فتخضع دلالاتها لمنطق المتخيّل أكثر مما يخضع المتخيّل لمنطق النص.
لم يعد الباحث المعاصر يكتفي بالسؤال عن صحة الوقائع تاريخيًا، وإنما يسأل أيضًا: كيف نشأ هذا المتخيّل؟ وما الظروف التي أسهمت في إنتاجه؟ وما الوظائف الروحية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي أداها؟ وكيف شارك في إعادة تشكيل الدين، وصناعة صورة الجماعة عن نفسها وعن الآخر؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف نفي القيمة الدينية للإيمان، ولا الانتقاص من الخبرة الروحية، وإنما تهدف إلى التمييز بين الدين في لحظته المؤسسة، والدين كما أعادت الجماعات المؤمنة إنتاجه عبر التاريخ. من دون هذا التمييز يتعذر فهم كثير من الظواهر الدينية، ويظل الباحث أسير السرديات التي أنتجها المتخيّل الجمعي، من غير أن يدرك أثرها العميق في إعادة تشكيل الأديان، واصطناع شخصيات وحوادث ووقائع تنتمي إلى تاريخ الذاكرة الدينية أكثر مما تنتمي إلى التاريخ الأرضي.
كانت حوزة النجف سبّاقة في التعرف على الأديان السماوية، إذ كرّس الشيخ محمد جواد البلاغي (1282-1352هـ) جهوده لدراسة اليهودية والمسيحية بالرجوع إلى التوراة والأناجيل. غير أن ريادته في هذا الحقل المهم بقيت أسيرة المنهج الكلامي، فغلبت على كتاباته لغة الجدل والمحاججة، وانشغلت بإبطال دعوى الخصم والدفاع عن معتقده أكثر من انشغالها بالفهم العلمي للأديان. لذلك لم تتحرر مقارناته من المنهج الكلامي الدفاعي، فانشغل بالتنقيب في نصوصها عما يراه منحولًا أو محرّفًا أو منافيًا للعقل، ولم يتجه إلى استكشاف القيم المشتركة في رسالتها الروحية والأخلاقية الكونية. توقف عند اختلاف المعتقدات وتعارضها، ولم ينفذ إلى الخبرة الروحية والقيم الإنسانية التي تتجاوز الجدل العقائدي، وتؤسس للتفاهم والحوار بين أتباع الأديان.
مع كل ذلك كان البلاغي رائدًا في فتح نافذة على حقل بالغ الأهمية في الدراسات الدينية داخل الحوزة، ظل مهملًا مدة طويلة. غير أن المسار الذي دشّنه لم يتواصل في العقود اللاحقة، وتوقف تحت تأثير عوامل متعددة، لعل أبرزها الافتقار إلى التكوين العلمي في لغات النصوص المؤسسة في الأديان الأخرى، وهي اللغات التي دُوّنت فيها السرديات الدينية، وعدم مواكبة علم الأديان الحديث، إلى جانب هيمنة دراسة الفقه وأصوله على مناهج الدراسة والتدريس في الحوزة. مكانة التلميذ والمدرس، ومراتب التقدير العلمي، ظلت ترتبط بالتعمق في الفقه وأصوله وبلوغ الاجتهاد الفقهي، في حين لبثت الدراسة العلمية للأديان ومقارنتها خارج دائرة الاهتمام، ولم تتحول إلى حقل معرفي راسخ في التعليم الديني.