رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
طعمة التميمي سيرة فنان نقش اسمه في ذاكرة المسرح والدراما العراقية


المشاهدات 1129
تاريخ الإضافة 2026/06/28 - 11:35 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 8:08 PM

في تاريخ الفن العراقي ثمة أسماء لا تمر مروراً عابراً، بل تستقر في الذاكرة بوصفها علامات فارقة في مسار الإبداع الثقافي.
 ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان الراحل طعمه التميمي بوصفه واحداً من أولئك الذين لم يكتفوا بالمشاركة في الحركة الفنية، بل أسهموا في تشكيل ملامحها وتحديد مساراتها. لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدواراً، ولا مخرجاً عابراً في زمن الإنتاج، بل كان مشروعاً فنياً وإنسانياً متكاملاً، جمع بين الموهبة والثقافة والالتزام، وترك إرثاً ظل حاضراً رغم مرور السنوات على رحيله. 
إن استعادة تجربته اليوم ليست مجرد استذكار لاسم فني، بل قراءة لمرحلة كاملة من تاريخ الفن العراقي، بكل ما فيها من طموح وتحديات وتحولات.
البدايات الأولى
وُلد طعمه عبد المجيد التميمي في الأول من تموز عام 1931 في مدينة البصرة، تلك المدينة التي شكلت بيئة خصبة لنشوء العديد من الطاقات الإبداعية. في تلك البيئة الجنوبية الغنية بالثقافة الشعبية والتنوع الاجتماعي، تشكلت ملامح شخصيته الأولى، حيث امتزج الحس الإنساني بالوعي المبكر بقيمة الفن ودوره في التعبير عن المجتمع.
بدأ التميمي علاقته بالفن من بوابة التعليم، حين كان مدرساً في مسرح ثانوية الملك فيصل في البصرة، وهناك اكتشف قدرته على الأداء المسرحي والتأثير في الجمهور. لم تكن هذه البداية مجرد تجربة عابرة، بل كانت الشرارة الأولى التي دفعته إلى اتخاذ قرار الانخراط في العمل الفني بشكل جدي، وهو ما قاده لاحقاً إلى الالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.
الدراسة الأكاديمية
التحق طعمه التميمي بأكاديمية الفنون الجميلة، وتخرج فيها عام 1955، في مرحلة كانت تشهد فيها الحركة المسرحية العراقية بدايات تشكلها المؤسسي. في هذه البيئة الأكاديمية، تلقى التميمي تدريباً منهجياً على أصول التمثيل والإخراج، مما منحه قاعدة معرفية صلبة انعكست لاحقاً على أدائه الفني.
كانت أولى خطواته بعد التخرج مشاركته في مسرحية «مروءة مقنعة»، التي شكلت انطلاقته الحقيقية نحو عالم المسرح الاحترافي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ اسمه يتردد في الأوساط الفنية بوصفه ممثلاً يمتلك حضوراً مميزاً وقدرة على تجسيد الأدوار التراجيدية بعمق وإحساس عالٍ.

الانتقال إلى بغداد
مع انتقاله إلى بغداد، دخل التميمي مرحلة جديدة من حياته المهنية، حيث التحق بدائرة السينما والمسرح، وهي المؤسسة التي كانت تمثل آنذاك العمود الفقري للحركة الفنية في العراق. في هذا الإطار، توسعت تجربته لتشمل مجالات متعددة، من المسرح إلى السينما، مروراً بالإذاعة والتلفزيون.تميزت هذه المرحلة بغزارة الإنتاج وتنوع الأدوار، حيث استطاع أن يثبت نفسه كأحد أبرز الوجوه الفنية القادرة على التنقل بين الشخصيات المختلفة، مع الحفاظ على خصوصيته الأدائية. لم يكن حضوره عادياً، بل كان يفرض نفسه عبر صوت جهوري وأداء مدروس وشخصية ذات هيبة فنية واضحة.
حضور نوعي في أعمال مفصلية
شارك طعمه التميمي في عدد كبير من الأفلام التي تعد اليوم من كلاسيكيات السينما العراقية، مثل «المنعطف» و»الرأس» و»بيوت في ذلك الزقاق» و»الزورق» و»القادسية» و»البيت» و»وجهان في الصورة» و»طائر الشمس». في هذه الأعمال، لم يكن مجرد عنصر ضمن فريق التمثيل، بل كان جزءاً من البناء الدرامي الذي يمنح العمل عمقه وتأثيره.
تميز أداؤه السينمائي بالقدرة على تجسيد الشخصيات المركبة، خصوصاً تلك التي تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية معقدة. وقد أسهمت هذه الأدوار في ترسيخ مكانته كأحد أعمدة السينما العراقية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
 شخصيات خالدة في ذاكرة الجمهور
إذا كانت السينما قد منحت التميمي مساحة للتألق، فإن التلفزيون هو الذي جعله قريباً من الجمهور بشكل يومي. فقد شارك في عدد من المسلسلات المهمة، من أبرزها الذئب وعيون المدينة والنسر وعيون المدينة وذئاب الليل.
وتعد شخصية رحومي التي قدمها في «النسر وعيون المدينة» واحدة من أبرز الشخصيات التي ظلت عالقة في ذاكرة المشاهد العراقي، لما حملته من صدق في الأداء وقرب من الواقع الاجتماعي. لقد استطاع التميمي أن يحول هذه الشخصية إلى رمز درامي يتجاوز حدود العمل نفسه.
صوت يحمل اللغة والهوية
لم تقتصر تجربة طعمه التميمي على التمثيل، بل كان أيضاً من أبرز المخرجين الإذاعيين، خاصة في سبعينيات القرن الماضي. وقد تميز في هذا المجال بقدرته على توظيف الصوت كأداة تعبيرية، مستفيداً من صوته الجهوري المميز وثقافته اللغوية العالية.
تشير الدكتورة عواطف نعيم إلى أن التميمي كان قادراً على تقديم اللغة العربية الفصحى بأسلوب جذاب، خصوصاً عند قراءة الشعر، وهو ما جعله خياراً مفضلاً للأعمال التاريخية والإذاعية ذات الطابع الثقافي.
صورة الأب والمعلم
 بعيداً عن الأضواء، كان طعمه التميمي إنساناً يحمل صفات نادرة، كما يصفه نجله فارس طعمه التميمي. فقد كان أباً حريصاً على مستقبل أبنائه، حتى أنه لم يشجعهم في البداية على دخول عالم الفن، إدراكاً منه لصعوباته وتحدياته.
هذا التناقض الظاهري بين كونه فناناً كبيراً وتحفظه تجاه دخول أبنائه المجال يعكس عمق وعيه بطبيعة المهنة، وحرصه على أن يكون الاختيار نابعاً من قناعة حقيقية وليس مجرد تأثر.
كما كان، بحسب شهادات معاصريه، إنساناً متواضعاً، محباً للآخرين، يتمتع بروح مرحة وقدرة على خلق أجواء إيجابية في العمل، وهو ما جعل علاقاته المهنية تتحول إلى روابط إنسانية عميقة.
شهادات معاصريه
تجمع شهادات الفنانين الذين عاصروه على أنه كان حالة فنية وإنسانية مميزة. الفنانة سناء عبد الرحمن تصفه بأنه كان بالنسبة لها الأب والأخ والصديق، وتشير إلى العلاقة الحميمية التي جمعتهما خلال العمل.
 أما الفنان عزيز خيون، فيؤكد أن التميمي كان واحداً من أبرز المخرجين الإذاعيين، وأن تجربته معه امتدت لسنوات طويلة، ما يعكس استمرارية حضوره وتأثيره في الأجيال اللاحقة.
هذه الشهادات لا تعكس فقط مكانته الفنية، بل تكشف أيضاً عن عمق تأثيره الإنساني في الوسط الثقافي.
 امتداد خارج الحدود
لم يقتصر حضور طعمه التميمي على الساحة المحلية، بل شارك في مهرجانات دولية، مثل مهرجان موسكو ومهرجان طشقند في سبعينيات القرن الماضي. وقد شكلت هذه المشاركات فرصة لعرض التجربة العراقية على جمهور أوسع، وأسهمت في تعزيز مكانة الفن العراقي على المستوى الدولي.
نهاية الجسد وبقاء الأثر
في التاسع من شباط عام 1995، رحل طعمه التميمي عن عمر ناهز 63 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء. كان رحيله خسارة كبيرة للحركة الفنية العراقية، إذ ترك فراغاً واضحاً على خشبة المسرح وشاشة التلفزيون.
لكن، وعلى الرغم من غيابه الجسدي، ظل حضوره مستمراً عبر أعماله التي لا تزال تُعرض وتُستعاد، وعبر تأثيره الذي امتد إلى الأجيال اللاحقة من الفنانين.
إرث لا يُمحى
إن قراءة تجربة طعمه التميمي اليوم تكشف عن فنان لم يكن أسير لحظته، بل كان جزءاً من مشروع ثقافي أوسع، يسعى إلى ترسيخ قيم الفن الجاد والالتزام الإنساني. لقد جمع بين الموهبة والثقافة والانضباط، وترك إرثاً يصعب تجاوزه في تاريخ الفن العراقي.
يبقى طعمه التميمي نموذجاً للفنان الذي يعيش لفنه، ويمنحه كل ما يملك، فيبقى اسمه حاضراً حتى بعد الرحيل. وفي زمن تتغير فيه المعايير بسرعة، تظل تجربته تذكيراً بأهمية الأصالة والصدق في العمل الفني، وبأن الإبداع الحقيقي هو ما يبقى في ذاكرة الناس، لا ما يمر مروراً عابراً.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير