
لم تكن مشاركة المنتخب العراقي في نهائيات كأس العالم 2026 مجرد ثلاث مباريات انتهت بخسائر أمام منتخبات النرويج وفرنسا والسنغال، بل كانت محطة مهمة كشفت الكثير من المؤشرات الفنية والذهنية التي ينبغي الوقوف عندها بموضوعية، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو الأحكام المتسرعة.
صحيح أن النتائج لم تكن بحجم طموحات الجماهير العراقية، إلا أن قراءة المباريات تؤكد أن منتخبنا لم يكن الحلقة الأضعف داخل المستطيل الأخضر، بل نجح في فترات طويلة من اللقاءات في مجاراة منتخبات تمتلك خبرات كبيرة وإمكانات فنية عالية، وفرض أسلوبه في العديد من دقائق اللعب، قبل أن تُحسم المباريات بأخطاء فردية دفع ثمنها غالياً.
وأظهرت المباريات الثلاث أن المشكلة الأبرز لم تكن في الجانب الفني أو البدني بقدر ما كانت في التركيز الذهني، إذ تكرر السيناريو ذاته مع مرور زمن المباراة، فتتراجع درجة التركيز لدى بعض اللاعبين، لتظهر أخطاء فردية استغلها المنافسون بأفضل صورة، وهو ما كلف المنتخب استقبال أهداف كان بالإمكان تجنبها.
وهذه الملاحظة تستدعي مراجعة علمية شاملة، ليس من أجل تحميل اللاعبين مسؤولية الإخفاق، وإنما لمعالجة هذا الجانب عبر برامج الإعداد النفسي والذهني، وتطوير القدرة على المحافظة على التركيز والانضباط التكتيكي حتى صافرة النهاية، لأن المنتخبات الكبيرة لا تمنح منافسيها فرصة تصحيح الأخطاء داخل المباراة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال المكاسب المهمة التي خرج بها المنتخب من هذه المشاركة، وفي مقدمتها العمل الفني الذي قدمه المدرب غراهام أرنولد، الذي نجح خلال فترة وجيزة في إعادة الثقة إلى اللاعبين، ومنحهم شخصية واضحة داخل الملعب، فظهر المنتخب أكثر جرأة في الاستحواذ، وأكثر شجاعة في مواجهة منتخبات عالمية تمتلك سجلاً حافلاً في بطولات كأس العالم.
لقد بدا واضحاً أن اللاعبين دخلوا المباريات وهم يؤمنون بقدرتهم على المنافسة، ولم يكتفوا بالدفاع أو انتظار صافرة النهاية، بل سعوا إلى تقديم كرة قدم تليق باسم العراق، وهو تحول إيجابي ينبغي البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
واليوم، وبعد إسدال الستار على مشاركة العراق في المونديال، يصبح من الضروري إجراء تقييم فني شامل لهذه التجربة، يتضمن تشخيص نقاط القوة وتعزيزها، والاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها، ولا سيما أن المنتخب الوطني تنتظره استحقاقات قارية ودولية مهمة تتطلب فريقاً أكثر نضجاً واستقراراً.
إن كأس العالم ليست نهاية الطريق، بل هي بداية مرحلة جديدة من التطور. وما قدمه منتخبنا، رغم مرارة النتائج، يؤكد أن الكرة العراقية تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى مزيد من العمل، خصوصاً في الجوانب الذهنية والتركيز تحت الضغط، حتى تتحول العروض الجيدة إلى نتائج إيجابية، ويصبح العراق منافساً حقيقياً لا مجرد مشارك في أكبر محفل كروي في العالم.