
أيوب بوعدي مشروع مفكر كروي.. علينا أن نعود إلى تلك السنوات التي كان فيها فيلسوف كرة القدم بيب غوارديولا يجلس طويلًا مع غاري كاسباروف، يدرسان رقعة الشطرنج كأنها علمٌ للسيطرة على الزمن. هناك، في تلك المنطقة التي يلتقي فيها التكتيك بالحدس، يمكن أن نعثر على المفتاح الذي يفسّر الثقة المدهشة التي أبداها لاعبو منتخب المغرب وهم يمررون الكرة إلى الشاب أيوب بوعدي.
لم يكن مجرد لاعب وسط، بل كان هو من يحركهم، كأن الملعب لوحة رياضيات وهو الوحيد الذي يعرف معادلتها.
كان الاعتقاد السائد أن أيوب عبقري رياضيات يطبّق المعادلات على المستطيل الأخضر كما لو أنه يحلّ مسألة. وهذا ليس مجازًا. فالشاب الذي أكمل الثامنة عشرة يدرس الرياضيات في جامعة باريس، ويحلّ المسائل كما يحلّ ضغط الخصم. لكنه قبل الجامعة، وقبل ليل، وقبل المنتخب المغربي، كان طفلًا في ضواحي باريس الشمالية، في تلك الأحياء التي تصنع لاعبين يعرفون أن الموهبة وحدها لا تكفي. ولد لأبوين مغربيين مهاجرين، وعاش طفولة مزدوجة، لغة في البيت، ولغة في الشارع، وكرة في كل مكان.
كان يذهب إلى المدرسة بحقيبة كتب، ويعود منها بحقيبة أحلام. مدربوه الأوائل قالوا إنه “لا يلعب الكرة، بل يفكرها”. كان طفلًا قليل الكلام، كثير الملاحظة، يراقب زملاءه كما يراقب قطعة شطرنج تبحث عن مربعها الصحيح. تلك الطفولة صنعت لاعبًا يعرف أن الصعود يبدأ من الداخل، من العقل قبل القدم. هكذا ظهر نجم كأس العالم المغربي، فيلسوف رياضات، لا مجرد لاعب موهوب. سايمون كوبر، منظر كرة القدم ومؤلف كتب “حمى كأس العالم” و”كرة القدم ضد العدو”، وصفه بأنه “مثال حي للقوة النفسية”. وأنا أضيف، هو مثال على شيء أعمق، على لاعب يفكر قبل أن يركض، ويحسب قبل أن يمرر، ويستشعر قبل أن يلمس الكرة. لاعب يملك تلك القدرة النادرة على تحويل اللحظة إلى فكرة، والفكرة إلى قرار، والقرار إلى تمريرة تغيّر اتجاه المباراة.
أثناء مشاهدة بوعدي وهو يقود خط وسط المغرب أمام البرازيل ثم اسكتلندا “غوارديولا كان حاضرا بين الجمهور لا يخفي إعجابه بالفيلسوف الصغير“، كان السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يُعقل هذا؟ لاعب في الثامنة عشرة، لم ينضم إلى المنتخب إلا هذا الشهر، يتصدر قائمة اللمسات بـ87 لمسة، ويتصرف كأنه لاعب خاض ثلاث نسخ من كأس العالم. زملاؤه كانوا يبحثون عنه، لا لأنه الأصغر، بل لأنه الأكثر وضوحا في الملعب. كان هو النقطة الثابتة في معادلة تتحرك باستمرار. كل كرة تمر عبره تبدو كأنها تمر عبر عقل إضافي، عقل يرى ما لا يراه الآخرون.