رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
طالب مكي فنان يغوص في خيال الصم والبكم


المشاهدات 1173
تاريخ الإضافة 2026/06/23 - 9:26 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 8:57 PM

مرت علينا ذكرى رحيل الفنان العراقي الكبير طالب مكي، الذي رحل في 12 يونيو 2022، مخلفا وراءه إرثا بصريا وثقافياً عصيّاً على التكرار. لم يكن طالب مكي فناناً عادياً في سجل الفن العراقي المعاصر، بل حالة استثنائية جمعت بين صمت الجسد وصخب اللون، بين حرمان السمع والنطق وثراء الرؤية.
ولد في قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار عام 1936، وغادرنا بعد مسيرة امتدت سبعة عقود، رسم خلالها البسمة على وجوه أطفال العراق، ونحت للأرض ذاكرتها المكسورة.
في قاعة دائرة الفنون التشكيلية افتُتح معرضه الشخصي الثاني تحت عنوان “نخيل”، ضم 37 عملاً زيتياً مختلف القياسات، باشر العمل بها منذ 2010. لم يكن المعرض استرجاعاً لحنين، بل بياناً أخيراً من فنان أدرك أن النخلة، شجرة العراق الأولى، هي أكثر من نبات: هي شاهد على مأساة، وعنوان لصمود، ومفردة لغوية في قاموس الهوية البصرية العراقية.
التحق طالب مكي بمعهد الفنون الجميلة قسم الرسم عام 1952، وتتلمذ على يد رائد الواقعية العراقية فائق حسن.. لكن ولعه بالنحت قاده إلى ورشة النحات الكبير جواد سليم، فصار ملازماً له حتى وفاته.. لم يكن تلميذاً عادياً، بل امتداداً ليد الأستاذ، قال عنه جواد سليم “إن طالب مكي هو الفنان الذي يمكن أن يفعل شيئاً من بعدي”.. شهادة من مؤسس النحت العراقي الحديث لا تُمنح إلا لمن يمتلك “مشيما خاصا” يتغذى منه وحده، كما وصفه النقاد.
تساءل النحات محمد غني حكمت لاحقا “لماذا لا تُعطى للفنان طالب مكي الفرصة لتنفيذ أعمال كبيرة ويساهم في حركة النحت العراقي؟”. السؤال يحمل في طياته إدراكاً بأن تجربة مكي لم تأخذ حقها المؤسسي الكامل، رغم تفردها.
في عام 1965 أسس مع مجموعة من زملائه “جماعة المجددين” التي ضمت كلا من الفنانين: نداء كاظم، سالم الدباغ، صالح الجميعي، عامر العبيدي، فايق حسين، إبراهيم زاير وسلمان عباس. كانت الجماعة مشروعا موضوعيا فكريا متجددا، سعت إلى كسر الجمود الأكاديمي وطرح تعابير إنسانية جديدة، شارك مكي في معارضها الخمسة في الفترة بين 1965 و1968، وفي معارض جماعية داخل العراق وخارجه، مؤكدا حضوره المبكر في المشهد.
ما يميز مسيرة طالب مكي هو أنه فنان حُرم من نعمتي النطق والسمع منذ طفولته، لكن هذا الحرمان تحوّل في فلسفته البصرية إلى هبة سماوية. لم يمتلك لغة الكلام، فابتكر لغة اللون والكتلة، امتلك حصافة ذهنية متقدة، وحباً أزلياً لرسالته الفنية المخضبة والمعفرة بتراب ورائحة زمان ومكان بلده العراق وحضاراته المتتالية.عمل معلما للرسم في معهد الصم والبكم منذ عام 1966، فكان الأقرب إلى تلاميذه لأنه يفهم صمتهم من الداخل، لم يشرح بالكلمات، بل بالخط والكتلة والظل. وهنا يكمن اللغز المحيّر في أعماله: كيف يستلهم ويطرح أفكاره دون وسيط لغوي؟ الإجابة تكمن في جذوره العميقة بوادي الرافدين. كان يرى، لا يسمع. وكانت عينه أذنا تلتقط إيقاع التاريخ.
الثيمة الرئيسية لمعرضه الأخير “نخيل” ليست اختيارا جماليا فحسب، بل موقف وجودي. جسّد مكي جذوع النخيل بأشكال هندسية متوازية تتطاول إلى الأعلى، بألوان تعبيرية متناسقة. لم يرسم النخلة كنبات، بل كحياة هندسية جديدة تشبه أعمدة المعابد السومرية.
التوازي والتطاول إلى الأعلى قراءة بصرية للصمود، النخلة عند مكي لا تنحني للريح، بل تصعد. لكنها تصعد موجوعة. بدأ العمل على هذه السلسلة عام 2010، أي بعد سنوات من حرق وتدمير ملايين النخلات العراقية منذ حرب الثمانينات وحتى اجتياح داعش.
النخلة هنا رمز للمأساة المستمرة للعراقيين منذ الثمانينات، لكنها أيضا رمز للموروث الحضاري والبيئة والإنسان الذي لم ينقرض رغم الدمار. اللافت في المعالجة هو المفارقة اللونية. وظّف مكي الألم العميق، لكنه صاغه بألوان الفرح والبهجة والسرور: الأخضر المائل إلى النضارة، الأصفر الشمسي، البرتقالي الدافئ. لم يرسم مأتماً، بل رسم مسحة أمل جديدة. كأنه يقول: النخلة تُحرق، لكنها لا تموت. والعراقي يُجرح، لكنه لا ينكسر. ولم لا وهو الفنان الشفاف الذي رسم البسمة على شفاه طفولتنا لأكثر من أربعة عقود؟
بدأ طالب مكي الرسم للأطفال عام 1969 من خلال “مجلتي والمزمار”. كان من المؤسسين الأوائل لدار ثقافة الأطفال في العراق، وشغل منصب رئيس الرسامين. وضع اللبنات الأولى الجادة لعملية الرسم للأطفال، ورسم مئات الأعمال: سيناريوهات، أغلفة، كتبا ثقافية، تخطيطات لمجلة “ألف باء” ومطبوعات أخرى.


تابعنا على
تصميم وتطوير