
تجاوز الفساد في المؤسسات من كونه ثقبًا في جدار الدولة؛ وصار في مواضع كثيرة جدارًا تمر عبره المصالح. إنّه دستور موازٍ يوزع النفوذ، ويعيد تسعير الوظيفة العامة، ويحوّل القانون من قاعدة جامعة إلى امتياز متفاوت. المواطن قد يواجه الدولة عبر نافذتين في وقت واحد: (نافذة رسمية تشرح ما يجب أن يحدث، ونافذة فعلية تحدد مَن يحصل؟، ومَن ينتظر؟، ومَن يدفع؟، ومَن يُستثنى؟).
فمثلاً؛ فأن أحدث مؤشر لمدركات الفساد منح العراق ٢٨ درجة من مئة، ووضعه في المرتبة ١٣٦ من أصل ١٨٢ دولة، مع تحسن قدره درجتان قياسًا بالعام السابق. هذا التحسن مهم، غير أن الرقم يكشف؛ (فجوة ثقة ضخمة بين وجود الإصلاح في الوثائق وبين شعور الناس والمستثمرين بأن القاعدة تُطبق بثبات، وأن المساءلة تصل إلى الجميع).
من الجَّلي ان استعصاء الفساد في العراق نابعٌ من تحوله عبر أربع مراحل خطرة: (بدأ مخالفة فردية، ثم صار شبكة مصالح، ثم أصبح اقتصادًا سياسيًا، ثم دخل في بنية القرار نفسه)، وعند هذه المرحلة تغدو الرشوة أصغر مظاهره، بينما تصير العقود، والتعيينات،والاستثناءات، والإعفاءات، والمشروعات المتلكئة، والوظائف العليا، أبواب توزيع [للقوة والثروة والولاء].
لقد وضع صندوق النقد الدولي الفساد ضمن العوائق الهيكلية الكبرى التي تضغط على الاقتصاد العراقي، إلى جانب تضخم حضور الدولة، وضعف القطاع المصرفي، وتراجع كفاءة الكهرباء، والقيود التمويلية. المعنى هنا بالغ الخطورة: (الفساد صار ضريبة خفية على النمو، والاستثمار، والسيولة، والخدمة، وفرص العمل). تكمن المعضلة العراقية في أن مكافحة الفساد تشتغل غالبًا بعد وقوع الضرر. تُفتح الملفات بعد تبخر المال، وتتحرك الأجهزة بعد اكتمال الصفقة، ويُقاس الإنجاز بعدد الأوامر والضبطيات، بينما يبقى السؤال الأهم مهملًا: ( كم فرصة فساد أُغلقت قبل أن تولد؟ )، وهنا يكمن الفرق بين دولة تطارد الفاسد ودولة تمنع صناعة الفساد.
يستعصي الفساد عندما [تصبح السلطة موزعة، والمساءلة مُجّزأة]، فالجهة التي تملك المعلومة قد تفتقر إلى سلطة القرار، والجهة التي تملك القرار قد تتأثر بالحماية السياسية، والجهة الرقابية قد تصل متأخرة، والقضاء قد يستلم ملفًا ضعيف البناء. وهكذا تتحول كثرة المؤسسات إلى فراغ بين المؤسسات. وصفَ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التحدي العراقي بوصفه (فجوة ثقة بين نية الإصلاح وتجربة المواطن اليومية، وأكد أن الفساد يزدهر حين تبقى السلطة من دون ضبط كاف، والقواعد غامضة، والإنفاذ متفاوتًا). كما أشار إلى أن الرقمنة تخفض الاحتكاك المباشر وتزيد قابلية التتبع، لكنها تنجح عندما تعمل داخل (مؤسسات منضبطة وقواعد واضحة ورقابة فعالة). ان {دواء الفساد يبدأ} من قلب المعادلة: [نقل مكافحة الفساد من ملاحقة الأشخاص إلى إعادة تصميم النظام]، فكل إجراء حكومي يجب أن يُسأل عنه قبل إطلاقه: (أين مساحة التقدير الشخصي؟ أين ينقطع الأثر الرقمي؟ أين يمكن إخفاء المالك الحقيقي؟ أين يتولد تضارب المصالح؟ أين تصبح الموافقة سلعة؟ )، فكل ثغرة تُغلق في التصميم تعادل عشرات التحقيقات بعد وقوع الضرر.
{والدواء الثاني} هو الانتقال من الغموض إلى قابلية التتبع: (منصة وطنية موحدة شاملة للمشتريات والعقود في كل مراحل عملية التعاقد، سجل للملكية المنتفعة، إفصاح دوري عن المصالح، حساب خزينة موحد، دفع حكومي رقمي، ربط بين الكمارك والضرائب والمصارف والعقود، ونشر بيانات التنفيذ والكلفة والتعديل). والرقمنة هنا أعمق من شاشة جديدة فوق نظام قديم؛ فهي (إعادة بناء لطريق القرار كله).
{والدواء الثالث} هو تحويل النزاهة إلى مسؤولية كل مؤسسة. الوزير ورئيس الجهة مسؤول عن مخاطر الفساد في وزارته وجهته، والمحافظ مسؤول عن خرائط التعارض والهدر في محافظته، والمدير العام مسؤول عن سلامة الإجراء، والتدقيق الداخلي مسؤول عن الإنذار المبكر، وديوان الرقابة مسؤول عن فحص القيمة مقابل المال، وهيئة النزاهة مسؤولة عن الوقاية والتحقيق والاسترداد، والقضاء مسؤول عن حسم رادع وسريع وفق ضمانات العدالة.
{والدواء الرابع} هو قياس ما يعود إلى الدولة، وما يُحمى قبل أن يُسرق. المؤشر الحقيقي يتكون من: (الأموال المستردة، والخسائر الممنوعة، والعقود المصححة، والزمن المختصر، والمنافسة الموسعة، وانخفاض الكلفة، وارتفاع ثقة المواطن). ان دولة تحتفل بعدد القضايا وحده قد تكون توثق المرض أكثر مما تعالجه. {والدواء الخامس} هو تفكيك اقتصاد الحماية. الفساد الكبير يعيش حين تصبح الكلفة السياسية للمحاسبة أعلى من كلفة التسامح. العلاج يحتاج قاعدة واحدة: (الوظيفة العامة عقد خدمة، والمال العام حق مشترك، والولاء السياسي يمنح فرصة المشاركة من دون حصانة أمام القضاء أو الرقابة).
يملك العراق اليوم مع تشكيل حكومته الجديدة فرصة حقيقية لأن بنيته الرقمية تتوسع، وخطاب الإصلاح صار أوضح، ومؤسسات النزاهة تمتلك خبرة تراكمية، ومسار إعداد استراتيجية النزاهة للمدة ٢٠٢٥ إلى ٢٠٣٠ يتجه نحو منظومة تشمل الوقاية والتنسيق والرقابة والاسترداد، وقيمة هذه الفرصة تتوقف على انتقال الإصلاح من المبادرات المتفرقة إلى سلوك مؤسسي ثابت عابر للحكومات قبل وقوع الانهيار الاكبر.
وبالمحصلة أن الفساد في العراق عصي لأنه صار طريقة حكم قبل أن يكون جريمة مال. ودواؤه يبدأ حين تتوقف الدولة عن معالجة الدخان وتعيد تصميم المصنع الذي ينتجه. العراق يحتاج ثورة هادئة في القواعد: (سلطة مقيدة، معلومة مفتوحة، عقد قابل للتتبع، مسؤولية محددة، رقابة مبكرة، وقضاء نافذ على الجميع).
عندها يتحول السؤال مِن (مَن سرق؟ إلى كيف مُنعت السرقة؟، ومِن (كم قضية فُتحت؟ إلى كم ثغرة أُغلقت؟)، ومِن (كم مسؤول سقط؟ إلى كم مؤسسة أصبحت أقوى من رغبات شاغليها؟).
من البديهي ان فجر الانتصار على الفساد ينبلج يوم تصبح النزاهة أرخص طريق لإنجاز المعاملة، ويصبح الفساد أعلى كلفة من أي منفعة يمكن أن يولدها وإلّا سيضحى كل إجراءٍ لمكافحته الى صراعٍ مع أشباح وطواحين هواء !.