
سألوني : ماذا ستكتبين في شهر محرم الحرام..كانت إجابتي واضحة عن مصاحبة الاخيار، فالحسين (عليه السلام) احسن مرافقة الاخيار.
كتبت:
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتختلط فيه القيم بالأهواء، تصبح الصحبة أكثر من مجرد علاقة اجتماعية، بل هي بوابة تصنع الإنسان وتحدد صورته في أعين الناس، فالمرء لا يعيش وحده، بل يتأثر بمن يرافقهم ويكتسب من طباعهم، حتى قيل: «الصاحب ساحب»، إما إلى الخير أو إلى طريق لا تُحمد عواقبه.
فالصديق الصالح لا يمنحك المودة فقط، بل يهبك سلوكاً راقياً، وكلمة طيبة، ونصيحة صادقة، ويكون سنداً لك حين تضعف، ومرآةً ترى فيها عيوبك فتصلحها.
أما صحبة السوء، فهي كالنار الخفية، تبدأ بشرارة صغيرة ثم تتحول إلى محرقة اجتماعية، تدفع صاحبها إلى أخطاء قد لا يكون مقتنعاً بها في الأصل. وهذا الأمر يزداد خطورة بالنسبة للمرأة، لأن المجتمع كثيراً ما يربط سمعتها بمن تصاحب، فتغدو رفقة غير مناسبة سبباً في تشويه صورتها وإهدار مكانتها، مهما كانت نياتها حسنة.
وقد شبّه الرسول محمد (صل الله عليه وآله وسلم) الصاحب الصالح بحامل المسك، وصاحب السوء بنافخ الكير، فقال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير…». فالأول إما أن يهديك عطراً، أو تجد منه رائحة طيبة، أما الآخر فقد يحرق ثيابك أو يترك فيك أثراً كريهاً.
ويقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «مجالسة الأخيار تورث الخير، ومجالسة الأشرار تورث الندامة». وليس المقصود بالأخيار أولئك الذين يدّعون الكمال، بل أصحاب القلوب النقية، الذين يفرحون لنجاحك، ويسترون عثرتك، وينصحونك إذا أخطأت، ولا يزينون لك الزلل.
إن الإنسان قد لا يختار زمانه، لكنه يملك أن يختار من يرافقه، وبين رفيق يرفعك إلى مراتب الاحترام، وآخر يقودك إلى أتون الشبهات والندم، تبقى الحكمة القديمة صادقة: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
ففي زمن كثرت فيه الأقنعة، لم يعد أثمن ما يملكه المرء مالاً أو جاهاً، بل صديقاً صالحاً يضيء الطريق، ويحفظ الود، ويكون عوناً على الخير لا وقوداً لمحرقة المجتمع.