رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الرمز في جسر المواعيد المهشمة


المشاهدات 1278
تاريخ الإضافة 2026/06/21 - 10:09 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 9:08 PM

تتجلى الرموز والمعاني في سطور وصفحات جسر المواعيد المهشمة ، وهي تحاكي أسرار الزمن ، لقتل الأوهام المتوارثة التي ظلت تختبئ في قاع الذاكرة . تتناول صراع الرغبات المزيفة والحب الراسخ في الفؤاد ، وبقايا أرواح نقية ترى في إطلاق سراح الحقيقة ، تحرير من سجن الماضي ، بفتح الاسوار لتحلق الاسرار . ويدرك الأنام إن المسافات والمخاوف والهمس الذي يراود الظنون يمكن إختراقها بنبضة حب . 
كلمات وسرديات ليست للتسلية ، وإنما لكي تداهم العواطف والعقول وصدى الأوجاع حين يبوح القلب عن الأمكنة ، وهو يلاحق الذاكرة وكل العلامات التي ترتبط بالإنسان ، ليفرغ الشجن الراسخ في معظم شخصيات المجموعة القصصية البكر للسارد زهير الإمامي المعنونة جسر المواعيد المهشمة وتضم خمسة وثلاثين قصة قصيرة بأسلوب باذخ في الجمال يلامس الخيال حيناً والواقع أحياناً أخرى . لوصف ما يمور في داخل النفس الانسانية من خلال شخوص القصص الرئيســـــة . 
إذ إنه لا يبتعد عن البيئة التي يحاكي أحداثها وتفاصيلها ، لينسجها في خياله ويزبرها على صفحات مجموعته القصصية التي يترك في نهاياتها صدى يتردد في فضاءات لا متناهية تمنح التأمل لمحو الأوهام . إن الامامي يكشف عن موهبته في هذا الضرب من ضروب الآدب . ليحقق حضوره بين المبدعين في ميدان يحتاج لمن يلجه الى اللغة والأسلوب والآليات الفنية في الكتابة ليؤثر على القارئ فكراً وعاطفة، بوصف الأدب أحد المنافذ لتغيير المجتمع والارتقاء بالإنسان . ولكي يؤكد على أهمية التواصل وبناء الجسور الإنسانية بوصفها مفتاحاً للسعادة ، جاء عنوان المجموعة ليشي الى الخراب الذي أخذ يدب الى العلاقات الإنسانية ، والمواقف العصية التي تداهم أبطال قصصه في علاقاتهم البريئة ، والأماني في لقاء أمرأة تلامس الخيال والمشاعر والتفكير ، ليتخلص من روتين الحياة اليومية ، ليمضي اليها ثانيةً ، بعد أن عاش مع ليلى ، حين كان الصمت أكثر ضجيجاً من أي كلمة (ظل الباب الموارب) مثالاً . 
وإذا كان السؤال هو بداية المعرفة . فإن الإمامي طرح الرمز ليوقظ الأسئلة التي تصيب الانسان بالحيرة ، حول ذاكرته وتاريخ المدن المنسية وحياة مجتمع يتسابق مع الموت أو إنها تعيش الروتين والسأم وتشابه الأيام والشهور، في دورة تثير الشفقة والبؤس ، فالمدينة التي ينسى السكان إسمها ، (تترك لتوقظ من داخلها ، لتعيد اليها الحياة ببطئ ، كما تستيقظ الذكريات في فجر هادئ). وكأنه يقول إن لم يتغير الانسان من داخله يظل مجرد هيكل في دروب الحياة التي تدعو الانسان الى الاستيقاظ في كل لحظة قبل الرحيل الأبدي . 
في جسر المواعيد المهشمة يرتقي الكاتب ذروة الحزن .. المنتهى يصبح أصفى من الدمع وهو ينظر الى الجسر المحطم في النهر ، الكيان الذي يحفظ أجمل الذكريات ، ليس بين بشرى الذي يعبث هواء الفرات بعبائتها ويلمع الشوق من عينيها ، يوم تروم اللقاء مع سليم ، بل كان معلماً شاخصاً بهياً سقط صريعاً بفعل بشاعة الحرب ، وأعتقد أنه كان يقصد جسر السماوة المعلق ، فقد كان علامة المدينة يحمل الهيبة والتواصل بين أهالي الضفتين ، فقد رحلت بشرى يوم قتل الجسر ، وهاجر سليم ليحتفظ بذكرى أمرأة كانت رمز للحب ، وأجيال تشظت حياتها بسبب الحروب بين الموت المجاني ، الهجرة ، الاحباط ، والكبت لتبقي الصور الجميلة والحب تكابد النسيان والاندثار والألم . 
أن جسر المواعيد المهشمة لم تجمع بين ضفتيها قصصاً يلتقي فيها الواقع والخيال فحسب وإنما الرمز والبعد الفكري والادبي الذي يثير الدهشة لدى القارئ ، يعالج كوامن النفس البشرية بأسلوب رشيق ، وجمل مكثفة ، وأفكار تؤكد قدرة الكاتب على معالجة القضايا الإنسانية . فقد كشف القاص زهير الإمامي في مجموعته عن بلاغة في الوصف والتفاعل مع ما يحدث في المجتمع ، ليوظفها بما يشيع الأمل ويعلو من القيم النبيلة في مجتمع ما برح يعاني آثار الحروب والإرهاب والصدمات المجتمعية التي تتسلل الى الذات للتشبث بالحياة .
كلمات ليست أخيرة في تأملات ومشاهد المدينة .. من خلف زجاجة ، رأى المدينة تتآكل : وجوه بلا دهشه ، خطوات بلا هدف ، وقلوب خفيفة لأنها فارغة ، لأن نبض أيامهم محبوس في رفوفه طوال الوقت .
تذكر الأم التي فقدت طفلها ، والفتاة التي ضحكت آخر مرة قبل أن يسرقها الفقر ، والرجال الذين لم يعرفوا كيف يصرخون فرحاً أو يعلنون حبهم . 
سقطت دمعة من عينه الزجاجية ، لكنها لم تكن ماء ، كانت زمن مر خلاله كل ما أحتفظ به لحظات الآخرين .  


تابعنا على
تصميم وتطوير