رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
نجم السعدون .. قصة صحفي من سجن أبو غريب إلى المقبرة


المشاهدات 1173
تاريخ الإضافة 2026/06/20 - 11:19 PM
آخر تحديث 2026/06/21 - 9:37 PM

  كنت أُحبُّ الجلوس مع قريب لي من آل السعدون الصحفي والخبير الإعلامي نجم السعدون «أبو مصعب»، رجل كبير بالسن مطَّلع بثقافته الإعلامية والاجتماعية السياسية في مفاصل كثيرة من اسرار الدولة، وان لم يكن سياسيا حقيقيا، لكنه يحفظ النسب والعشيرة خاصة في جنوب العراق .. سرني كثيرا بعد ان عرفتُ بعد فترة دخولي في خاصة أبو غريب في السجن ان لي قريبا ومن اعمامي..  ونجم السعدون رجل كبير بالسن وضع في مكان مخصص في الطابق الثاني من سجن الخاصة يسمى «قسم الجواسيس» أثار استغرابي وصِرتُ أتساءَل بفضول كيف وصل هذا الرجل إلى هنا؟! وعلى أيِّ أساس اتُّهم بهذه التهمة الخطيرة التجسس لصالح أي بلد عربي ام إسلامي أم غير ذلك؟! ظل الفضول يدفعني لمعرفة ذلك والحياء يمنعني من سؤاله؛ لأنه قد يُعتبر تدخُّلًا في أمر شخصي أو يُعَد استهانةً واستخفافًا به.  مرة وأنا في حديث ودِّي كالعادة مع مثقف وكاتب سياسي، بل حزبي لكنه مفصول وهو الدكتور ضرغام التميمي كان محكوما عليه بالسجن المؤبد بتهمة سخيفة وهي تجاوز الحدود، تدرجْنا بالكلام إلى أن وصلنا إلى منعرج في الحديث كان من المناسب جدًّا فيه أن أطرح سؤالًا يفضُّ لغز هذا الرجل وأحجيته بلا تحرج.. فقلت له: «أبو مصعب رجل طيب مسكين، وصحفي غير منخرط كليا مع الاعلام العراقي، وإني لأعجب لوصوله إلى هذا السجن وذات القسم (الجواسيس ) مَن هذا الذي اعترف عليه ؟ على أنه منخرط في تنظيم بمحاولة تجسس لصالح بلد جار هو السعودية.. تكررت زياراتي إلى قاعة المخابرات في سجن الخاصة في ابو غريب لزيارة ابو مصعب، كان يستقبلني بود واشعر ان السعادة تغمره ربما لان بيننا قرابة.  وتعرفت على أشخاص من مختلف محافظات العراق.. معظمهم كبار السن وفيهم ايضا بعمر الشباب، كلهم له حكاية وقصة وأسباب مختلفة للاعتقال والسجن.. قصص يمكن أن تحدث منها خرافية كقصص الجدات او من جمهورية الواق واق، يثيرك العجب وانت تسمع لتلك القصص التي يشيب له الرأس.. قصص الابتلاء وربما الانتقام. 
تجرأت مرة وسألته استاذ ابو مصعب.. من وشى بك وكيف ألقي القبض عليك..  قال تعال نخرج إلى الهواء الطلق (نشم هوا نقي) ونتحدث..
 بالنسبة للواشي كانت موظفة عراقية في السفارة السعودية ويبدو انها كانت تتعاون مع المخابرات العراقية لرصد حركة السفارة برمتها الداخل إليها والخارج منها.. وكنت أسلمها تقارير صحفية خبرية عن أنشطة ثقافية او اقتصادية او زيارات المسؤولين وغيرها.. لكي تطبعها على الالة الطابعة وترسلها إلى الجريدة مع البريد اليومي الدبلوماسي للسفارة إلى الرياض.. 
وكانت في الوقت نفسه ترسل نسخة بشكل سري إلى جهاز المخابرات.. والظاهر كانوا يتابعون كل شيء رغم ان العلاقات العراقية السعودية كانت متوافقة وطيبة وفي قمة الدرجات العليا.. 
أما بخصوصً إلقاء القبض فيسرد: كنت أقود سيارتي متوجها إلى داري في ظهيرة تموزية لاهبة.. وفجأة طلب مني شخصان كانا في السيارة التي اصطفت بجنب سياراتي وطلبوا الوقوف على جنب الشارع للمساعدة لإصلاح الإطار الذي يبدو انه (بنجر).. وقفت وقلت مع نفسي مازالت الطيبة والمساعدة عندنا، نزلت ونظرت للإطار فوجدته سليما، جاء الشخصان وبدون سلام او مقدمات قالوا تفضل معنا استاذ نصف ساعة، كم سؤال وتعود إلى بيتك.. نزل شخص ثالث ليقود سيارتي بينما  صعدت معهم بسيارتهم.
بعد برهة سألتهم عن كل ذلك، أجابوا بشيء من عدم الاحترام: ستعرف بعد قليل.. ونحن نقترب من مبنى المخابرات في الحارثية، اعصبوا عيني، فشعرت انني بيد الأجهزة الأمنية..
 أكثر من سنة في توقيف الحاكمية وتنقلت من مكان أمني إلى آخر حتى وصلت إلى محكمة الثورة ووجها لوجه مع ابن العم عواد البندر السعدون... هزأت منه لأني كنت كثير المساعدة له في كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.  
حكم عليّ بالمؤبد بجريمةً التخابر مع دولة اجنبية..  انتهت قصة الصحفي نجم السعدون الذي كان كريم النفس يساعد السجناء المحتاجين، وكان يوم المواجهة سعادة لنزلاء الجناح لان وليمة دسمة سيكونون ضيوفا على ما تحمله أسرته من الذ الطعام والفاكهة والمشروبات الباردة.. كان أكثر ما يؤلمني حينما تتساقط دموعه وهو يتمعن بصورة فوتوغرافية يحملها ويضعها بين دفة القرأن الكريم معه، انه ولده (مصعب) فيقول أنا الرجل الكهل أحرم من فلذة كبدي غير المسموح له بزيارتي .. 
مات نجم السعدون في سجن الخاصة « محجر الجواسيس» بعد سنوات طويلة من جحيم السجن والوجوه التعيسة التي تتحكم بمصيره، مات بعيدا عن ولده واهله لكنه سجل بشرف بقلمه وفكره موقفا من نظام يقمع الصحفي والمثقف لا لسبب، بل لأنه عراقي اصيل.    .
*  القصة من المجموعة الثانية « مذكرات سجين سياسي» بعنوان « ثورة الموتى» التي ستصدر قريبا في بغداد.


تابعنا على
تصميم وتطوير