رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خطة الصين للسيطرة على قمة التكنولوجيا في العالم


المشاهدات 1175
تاريخ الإضافة 2026/06/20 - 11:13 PM
آخر تحديث 2026/06/21 - 9:37 PM

في ساعات الذروة، تتدفق السيارات بسلاسة عبر الشوارع دون ازدحام يذكر، توجهها إشارات مرور ذكية تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي الصينية، وتتعرف كاميرات المراقبة المثبتة في كل زاوية على الوجوه واللوحات فورا، وترسل البيانات إلى مراكز تحكم سحابية محمية بتقنيات تشفير صينية.
وتدار أنظمة الطاقة والمياه والنقل العام عبر شبكات الجيل الخامس الصينية، بينما تسيطر التطبيقات التي تستخدم بروتوكولات صينية على المدفوعات اليومية والخدمات الحكومية، حيث تسير كل تفاصيل الحياة اليومية في هذه المدينة من خلال عتاد وبرمجيات معتمدة على معايير تقنية صينية.
هذا المشهد ليس خيالا علميا، إنما أقرب إلى الواقع في مدن مثل لاغوس ونيروبي وبانكوك، التي أبرمت اتفاقيات مع الشركات الصينية، ويعكس الاتجاه الذي تحاول الصين ترسيخه المتمثل في إعادة تشكيل النظام التقني العالمي.
في الاقتصاد التقليدي الذي هيمن على القرن العشرين، كانت السيطرة تُقاس بعدد براميل النفط وممرات الملاحة البحرية والقدرة على التحكم في تدفق  المواد الخام.
أما في الاقتصاد الرقمي المعاصر، فإن النفوذ يرتبط بالمعايير التقنية، حيث تضمن هذه القواعد التفصيلية والمواصفات التقنية الموحدة توافق الأنظمة والأجهزة والشبكات المختلفة وقدرتها على العمل المشترك.
وحين تشتري هاتفا ذكيا في القاهرة ويتصل بشبكة الإنترنت في طوكيو وتتحدث به مع شخص في لندن، فإن “المعايير التقنية” هي التي أتاحت ذلك، ودون هذه “المعايير التقنية”، يتحول العالم الرقمي إلى ما يشبه “برج بابل” التقني، حيث تنعزل الأجهزة عن بعضها.
وعندما تنجح شركة ما في دمج ابتكاراتها وبراءات اختراعها ضمن المعيار العالمي المعتمد لتقنية معينة، تُصنف تلك البراءات قانونيا باسم “براءات الاختراع الأساسية المعيارية”، حيث تخضع للالتزامات الدولية التي تفرض ترخيصها للشركات الأخرى لضمان عدم الاحتكار وتسهيل تدفق الابتكار العالمي.
وفي حال أرادت أي شركة في العالم صنع منتج متوافق مع هذه التقنية، سواء أكان هاتفا أم جهازا طبيا أم سيارة ذاتية القيادة، فإنها ملزمة بدفع رسوم الترخيص لمن يمتلك “براءة الاختراع الأساسية المعيارية”.
ويمثل إنتاج الأجهزة نشاطا تجاريا أدنى هامشا مقارنة بالتدفق المالي المستمر الوارد عبر رسوم تراخيص “براءات الاختراع الأساسية المعيارية”، الأمر الذي حولها إلى سلعة إستراتيجية ثمينة تتفوق على أصول الطاقة التقليدية كالنفط والغاز.
وتضخ بكين استثمارات كبيرة لتأمين سيطرتها على المعايير، انطلاقا من فكرة أن من يملك المعايير يملك المستقبل، وتتحرك بخطى متسارعة مدفوعة برغبتها في التخلص من عبء دفع رسوم التراخيص للشركات الغربية.
وتعد الصين ثاني أكبر دافع لرسوم تراخيص الملكية الفكرية في العالم، بعد أيرلندا التي تتصدر القائمة لأسباب ضريبية.
لسنوات طويلة، اعتمد النموذج الاقتصادي الصيني على تجميع المنتجات وتصدير البضائع وتنفيذ التصاميم والتصنيع الكثيف العمالة والمنخفض الهامش الربحي، حيث ركزت خطة “صنع في الصين 2025” على رفع الإنتاج التصنيعي وترسيخ مكانة الصين في سلاسل التوريد العالمية.
وعبر خطة “معايير الصين 2035” الجديدة، تضع بكين مخططا شاملا يتيح للحكومة وكبرى شركاتها التقنية وضع المعايير العالمية للتقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والحوسبة السحابية والسيارات الذاتية القيادة والمدن الذكية وشبكات الاتصالات وإنترنت الأشياء والبلوكتشين.
وتطمح الصين إلى إرساء إطار حوكمة لتقنيات المستقبل، مما يعزز قدرتها التنافسية الصناعية والتقنية ويدشن مرحلة جديدة تستهدف تحويل الدولة من منفذ إلى مصمم للمعايير التقنية على مستوى العالم بحلول عام 2035.
ويهدف “مخطط تطوير التقييس الوطني”، المعروف رسميا باسم “الخطوط العريضة لتطوير التقييس الوطني”، إلى تحقيق الانتقال نحو بناء نظام تقييس متكامل ومتوافق دوليا يتسم بالخصائص الصينية.
وتسعى الصين لزيادة حضور خبرائها وشركاتها داخل لجان المعايير الدولية، والتركيز على “براءات الاختراع الأساسية المعيارية”، وربط مساعدات التنمية الخارجية بتبني معاييرها، وبناء جدار حماية رقمي داخلي عبر معايير وطنية.
ومن خلال هذا المخطط، تريد بكين توحيد المعايير في القطاعات الاستراتيجية، ورفع نسبة توافق معاييرها مع المقاييس الدولية، وزيادة مشاركة شركاتها في صياغة المعايير العالمية مستفيدة من هيمنتها على التصنيع للانتقال إلى فرض البروتوكولات والقفز نحو مقعد المشرع.


تابعنا على
تصميم وتطوير