
في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها المجتمع العراقي على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية يبرز سؤال جوهري حول موقع الفن التشكيلي في هذه المتغيرات ومدى قدرته على الاستمرار والتأثير بوصفه أحد أهم تجليات الهوية الحضارية للبلد.
وفي هذا السياق جاءت هذه الجلسة الحوارية التي استضاف فيها الإعلامي أحمد مرزوك الفنان التشكيلي الدكتور قاسم محسن للحديث عن واقع الفن التشكيلي العراقي بين الماضي والحاضر، واستشراف مستقبله في ظل التحديات الراهنة حيث يكشف الحوار عن أزمات عميقة تتعلق بالدعم المؤسسي والذائقة المجتمعية وتأثير التكنولوجيا، فضلاً عن إشكالية الهوية الفنية.
* نرحب بك استاذ قاسم ضيفا عزيزا على الزوراء .
ـ شكرا جزيلا اخ جمال والشكر موصول الى الزوراء التي عودتنا على متابعات المبدعين في العراق .
* بداية دكتور قاسم هل يمكن القول إن هناك مدرسة فنية عراقية خالصة في الفن التشكيلي أم أن العراق ظل متأثراً بالمدارس الغربية؟
ــ في الحقيقة عندما نتحدث عن الفن التشكيلي في العراق فلابد أن نعود إلى البدايات حيث لم تكن هناك مدرسة عراقية واضحة المعالم بل كانت هناك تأثيرات مباشرة من المدارس الأوروبية خاصة بعد إرسال الفنانين الرواد إلى الخارج منذ ثلاثينيات القرن الماضي حيث درسوا في باريس ولندن وتأثروا بالمدارس الفنية هناك، وعندما عادوا إلى العراق نقلوا تلك التجارب لكنهم لم يكتفوا بنقلها بل سعوا إلى تكييفها مع البيئة العراقية.
* هل استطاع هؤلاء الفنانون أن يخلقوا هوية عراقية خاصة أم ظلوا ضمن إطار التأثر بالغرب؟
ــ في البداية كانت الأعمال انعكاساً لما تعلموه في الخارج لكن مع مرور الوقت بدأ البحث الجاد عن هوية فنية عراقية وهذا ما قاده فنانون كبار مثل جواد سليم وفائق حسن، حيث عملوا على مزج التقنيات الغربية مع الروح العراقية سواء من خلال الموضوعات أو الألوان أو البيئة المحلية، وهنا يمكن القول إننا نجحنا في تأسيس مدرسة عراقية مميزة.
* لماذا برأيك لم يظهر فنانون معاصرون بالتأثير نفسه الذي حققه الرواد ؟
ــ الأمر مرتبط بالبنية الثقافية والدعم المؤسسي ففي تلك الفترة كان هناك دعم حكومي واضح للفنون، وكانت الدولة تعتبر الفن واجهة حضارية، لذلك أسست معاهد وكليات للفنون ووفرت الإمكانيات للفنانين. أما اليوم فنحن نفتقد إلى هذا الدعم وهذا ما انعكس سلباً على الواقع الفني .
* هل يمكن القول إن القرار السياسي يلعب دوراً أساسياً في ازدهار الفن؟
ــ بالتأكيد الفن في كل دول العالم يحتاج إلى دعم الدولة خاصة في المشاريع الكبيرة مثل النصب والجداريات، وهذه لا يمكن أن تنجز بجهود فردية بل تحتاج إلى إمكانيات لوجستية ومالية كبيرة، لذلك فإن غياب القرار السياسي الداعم للفن يعني بالضرورة تراجع هذا القطاع.
وقد مر السوق الفني بمراحل مختلفة ففي التسعينيات ورغم الحصار كان هناك نشاط ملحوظ حيث كانت الوفود الأجنبية تشتري الأعمال الفنية بكثرة، وكان هناك سوق مزدهر، لكن بعد عام 2003 توقعنا أن يشهد هذا السوق انتعاشاً أكبر إلا أن العكس هو ما حدث حيث دخل الفن التشكيلي في حالة من الركود.
* ما الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع؟
ــ هناك عدة أسباب، منها غياب الدعم الحكومي وعدم وجود سياسة ثقافية واضحة إضافة إلى ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الفن، فضلاً عن الظروف الاقتصادية التي أثرت على قدرة الناس على اقتناء الأعمال الفنية
* هناك من يرى أن المجتمع العراقي فقد حسه الجمالي، هل توافق على هذا الرأي؟
ــ لا أعتقد أن الأمر يقتصر على العراق فقط بل هو ظاهرة عالمية مرتبطة بالوضع الاقتصادي، إّذ أن الأزمات الاقتصادية تدفع الناس إلى التركيز على الاحتياجات الأساسية بدلاً من الاهتمام بالفنون، ومع ذلك فإن هناك في العراق مشكلة إضافية تتعلق بضعف الثقافة الفنية لدى بعض المسؤولين .
* هل تقصد أن هناك نظرة سلبية تجاه الفن ؟
ــ نعم، للأسف هناك من ينظر إلى الفن نظرة دونية أو يحاول ربطه بمفاهيم خاطئة، وهذا يعكس غياب الوعي الحقيقي بدور الفن في الحياة اليومية، فالفن ليس مجرد لوحة أو تمثال بل هو جزء من كل تفاصيل حياتنا من الأثاث إلى الأزياء إلى التصميم المعماري .
* ماذا عن تأثير التكنولوجيا على الفن التشكيلي ؟
ــ التكنولوجيا لها جانب إيجابي لكنها في الوقت نفسه أدت إلى ظهور ممارسات سلبية، حيث أصبح البعض يعتمد على الطباعة والتقنيات الحديثة لإنتاج أعمال سطحية لا تحمل قيمة فنية حقيقية، وهذا أثر على مستوى الذائقة العامة
* هل أدى ذلك إلى إحباط الفنان الحقيقي ؟
ــ بالتأكيد الكثير من الفنانين الجادين يشعرون بالإحباط لأنهم لا يجدون التقدير المناسب لأعمالهم في حين يتم الترويج لأعمال ضعيفة وهذا نتيجة غياب التقييم الفني الصحيح .
* كيف تقيّم دور المؤسسات الثقافية في هذا المجال ؟
ــ للأسف المؤسسات الثقافية لم تقم بدورها بالشكل المطلوب خاصة بعد عام 2003 حيث لم يتم تعيين مختصين حقيقيين في مواقع القرار، وهذا أدى إلى تراجع مستوى الأداء وعدم القدرة على التمييز بين الفن الحقيقي والزائف
* هل يمكن أن تعطينا مثالاً على هذا الخلل ؟
ــ نعم، في السابق كانت المعارض الفنية تقام وفق معايير دقيقة وكانت الأعمال المتميزة تقتنى من قبل الدولة. أما اليوم فقد أصبح الفنان يدفع المال للمشاركة في المعارض دون أن يحصل على أي دعم أو تقدير، وهذا أمر مؤسف.
* كيف بدأت رحلتك مع الفن التشكيلي ؟
ــ بدأت موهبتي منذ المرحلة الابتدائية عندما اكتشفني أحد أساتذتي وشجعني على الاستمرار ثم وجدت دعماً من أساتذة آخرين كانوا يؤمنون بموهبتي، وهذا كان له دور كبير في تطوير مسيرتي .
* ما أهمية دور الأسرة والمدرسة في تنمية الموهبة ؟
ــ الأسرة والمدرسة هما الأساس في اكتشاف وتنمية المواهب، فإذا لم يتم احتضان الموهبة في مراحلها الأولى فإنها قد تضيع، لذلك من المهم توفير البيئة المناسبة للطفل الموهوب.
* هل تعتقد أن كل إنسان يمتلك موهبة فنية ؟
ــ نعم، كل إنسان لديه موهبة معينة لكن الفرق يكمن في كيفية اكتشافها وتنميتها، فالموهبة تحتاج إلى رعاية ودعم مستمر حتى تتحول إلى إبداع حقيقي
* في الختام كيف ترى مستقبل الفن التشكيلي في العراق ؟
ــ رغم كل التحديات لكنني متفائل لأن العراق يمتلك تاريخاً حضارياً عريقاً وطاقات فنية كبيرة، لكننا بحاجة إلى إعادة النظر في السياسات الثقافية وتوفير الدعم الحقيقي للفنانين من أجل استعادة مكانة الفن العراقي على المستوى العالمي .