
في زقاق صغير يقع على يسار السوق الكبير بمحافظة النجف الاشرف، حيث تصطف محال متواضعة لا تتجاوز مساحة الواحد منها مترين في مترين أو مترين في ثلاثة أمتار، تتحرك الأنامل بين خيوط الحرير وصوت الجومة اليدوية لتتجسد واحدة من أعرق الحرف التراثية التي ما زالت تقاوم الحداثة وتحافظ على أصالتها.. إنها العباءة النجفية.وليست العباءة النجفية مجرد لباس عربي، بل جزء من هوية المدينة وتراثها الاجتماعي والثقافي الذي يمتد عبر أجيال متعاقبة.
وتتميز العباءة النجفية عن غيرها من العباءات في المدن العراقية الأخرى بنوعية الصوف المستخدم في صناعتها، فضلاً عن خفة وزنها وجودة حياكتها، إذ لا يتجاوز وزن بعض أنواعها 250 غراما ما يجعلها مريحة للارتداء ومطلوبة لدى الزبائن من داخل العراق وخارجه، كذلك أسعارها التي تتراوح بين 100 دولار وأكثر من 1000 دولار.
وتشتهر محافظة النجف الاشرف بصناعة العباءة الرجالية بأنواعها وأصنافها وأشكالها والتي كل ما تقدم بها الزمن زادت أصالة وأصبحت فنا تراثيا عريقا لتصنف على أنها من التراث الشعبي الذي تميزت به المدينة عن باقي المحافظات العراقية والدول العربية.ورغم التطور الصناعي ودخول المنتجات المستوردة إلى الأسواق، فإن عددا من الحرفيين النجفيين لا يزالون متمسكين بهذه المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
ويرجع تاريخ صناعة العباءة في المدينة إلى أكثر من 130 عاما حيث جابت العباءة النجفية جميع محافظات العراق وأغلب دول الخليج العربي.
وقال حمودي حسن العبايجي بائع وصانع العباءة النجفية (65 عاما) إن هذه الصنعة قد ورثها من والده الذي ورثها بدوره عن والده الحاج مهدي العبايجي الذي ناهز عمره المئة عام، مشيرا إلى أن محافظة النجف الأشرف تعد أقدم مكان لصناعة العباءة الرجالية في العراق والوطن العربي وأفضلها بجودتها وفنها التراثي النجفي.وأضاف أن العباءة تقسم إلى أربعة أنواع حسب الفصول والمناسبات الخاصة، فمنها الصيفية والتي تسمى “البشت” الخفيفة الوزن ومنها اليدوية “المغزل” وأيضا “الصناعية”، إضافة إلى العباءة الأخرى التي تسمى “البهارية” والتي تلبس في الفترة الربيعية والخريفية ويكون وزها خفيفا أيضا. وأما العباءات من النوع الثالث والذي يسمى “الدگاك” فيرتديها الرجال في فترة الشتاء ويكون وزنها أكثر من 2 كيلو ونصف وتكون غالبيتها صناعية لصعوبة حياكتها يدوياً. وهناك العباءة السوداء “الخاچية” والتي يكون صوفها أبيض ويُصبغ إلى اللون الأسود وتلبس في المناسبات الحزينة.
وتمر صناعة العباءة بمراحل عديدة تبدأ بشراء الغزل ذي الجودة العالية، ثم إخضاعه لعمليات دقيقة تشمل التنظيف والفرز والمعالجة، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الحياكة والخياطة اليدوية التي تتطلب مهارة متوارثة وخبرة طويلة لضمان إنتاج عباءة تحمل المواصفات التي اشتهرت بها النجف.ورغم التطور الصناعي ودخول المنتجات المستوردة إلى الأسواق، فإن عددا من الحرفيين النجفيين لا يزالون متمسكين بهذه المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
وتصنع بعض العباءات المعاصرة من خيوط صناعية أو من مزيج بين الألياف الصناعية والصوف، بهدف تقليل الكلفة وزيادة المتانة. ولا تزال العباءة النجفية الفاخرة تُعرف محلياً باسم “عباءة الوبر”، وتُخاط يدوياً داخل المحال الصغيرة المنتشرة في أزقة السوق الكبير.
ومن أشهر أنواع العباءات المتداولة بين الخياطين عباءة الوبر، وعباءة “اللندني”، والعباءة الصيفية الخفيفة، ولكل نوع منها خاماته الخاصة ودرجات متفاوتة من الجودة والأسعار.ومن أهم رواد هذه الصنعة التراثية هم شيوخ العشائر والقبائل العربية في القرى والأرياف لأنهم أكثر استخداماً للعباءة باعتبارها الزي الرسمي لهم. كما يحرص العديد من الزائرين على شرائها وإهدائها للأهل والأقارب والأصدقاء تبركاً بقدسية المدينة ومكانتها الدينية.