
لم يكن الموقف الحاد والمفاجئ الذي عبّر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أعقاب الاستهداف الإسرائيلي الأخير للضاحية الجنوبية لبيروت مجرد تعليق سياسي عابر على حدث ميداني متكرر، بل كان بمثابة التمهيد السياسي المباشر والغطاء الدبلوماسي لإبرام الاتفاق الشامل الذي أُعلن عن دخوله حيز التنفيذ رسمياً. هذا التطور البنيوي المتسارع في المقاربة الأمريكية لملفات الشرق الأوسط المعقدة، الذي جاء بلهجة ومضمون وُصفا من قِبل أوساط دبلوماسية رفيعة بـ «غير المسبوقين»، كشف بوضوح قاطع أن الهامش المناور والمساحة الزمنية التي كانت تتحرك فيها حكومة بنيامين نتنياهو قد ضاقا بالفعل تحت وطأة الأولويات الجديدة للبيت الأبيض، مسجلاً بذلك فصلاً جديداً ونوعياً من التباين المتصاعد والعميق بين الإدارة الأمريكية وتل أبيب في كيفية إدارة ومقاربة الملفين اللبناني والإيراني على حد سواء. ومع توقيع هذا الاتفاق بضغط مباشر واندفاعة أمريكية حثيثة لا تحتمل التأجيل، يكون الرئيس الأمريكي قد حقق مصلحة استراتيجية عليا طالما سعى إليها منذ عودته إلى السلطة، متمثلة في رغبته الجامحة في إغلاق جبهات النزاع العسكري المفتوحة التي باتت تشكل عائقاً حقيقياً أمام خططه الاقتصادية الطموحة ومصالحه الجيوسياسية الكبرى حول العالم. لكن هذا الوجود الفعلي للاتفاق على الورق، والذي يفرض في جوهره وقفاً شاملاً وفورياً للعمليات القتالية وإطلاق النار، يضع المنطقة بأسرها أمام اختبار حقيقي ومصيري في مواجهة العقيدة الأمنية الإسرائيلية الصارمة؛ إذ تحذر أوساط سياسية مواكبة لكواليس المفاوضات من أن هذا الإنجاز الدبلوماسي المكتوب لا يعني بالضرورة التزاماً إسرائيلياً مستداماً أو آمناً على المدى الطويل. وتُجمع القراءات الواقعية لسلوك القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب على أنها انحنت اليوم مؤقتاً أمام العاصفة الأمريكية العاتية محققةً التزاماً «شكلياً» ومؤقتاً يراعي خصوصية العلاقة الحساسة مع ترامب، إلا أن هذا الالتزام سيبقى محفوفاً بالخطورة الشديدة، ولن تتردد إسرائيل في العودة السريعة إلى سياسة التصعيد الميداني، والضربات الجوية المدمرة، وعمليات الاغتيال الممنهجة متى رأت -وفق تقديراتها الاستخبارية والأمنية الخاصة- أن هناك أدنى محاولة من فصائل المقاومة لإعادة تنظيم الصفوف أو ترميم وبناء القدرات العسكرية واللوجستية.
هذا الحذر السياسي الشديد يتقاطع بوضوح كلي مع الواقعية الميدانية الحذرة على الأرض اللبنانية؛ إذ تجلى هذا التوجس والقلق المشروع في الموقف البالغ الأهمية والدلالة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تعمد بشكل لافت تجنب دعوة أهالي الجنوب والنازحين إلى العودة الفورية والمباشرة إلى قراهم وبلداتهم الحدودية، مفضّلاً التريث ومراقبة التطورات بانتظار ما قد تحمله الأيام والأسابيع الأولى لسريان الاتفاق من اختبار حقيقي وجاد للنوايا الإسرائيلية، وتحسباً لأي خروقات أمنية غادرة أو كمائن عسكرية قد تقدم عليها قوات الاحتلال لخلط الأوراق السياسية وإعادة تفجير المشهد مجدداً.
إن هذا الترقب الميداني والسياسي المشترك يستند بالدرجة الأولى إلى تجربة تاريخية قريبة وملموسة لا تزال ماثلة في الأذهان، والتي أعقبت تفاهم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، حين واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية موضعية واسعة النطاق رغم سريان الاتفاق آنذاك، مستفيدةً ومستغلةً تفسيراتها الأحادية والخاصة لبنوده ومقتضياته الأمنية.
وبناءً على هذه السابقة التاريخية، يرى المحللون والمراقبون للشأن الإقليمي أن التوقيع الذي جرى قد يحمل في كواليسه «تفاهماً ضمنياً وسرياً وغير معلن» بين واشنطن وتل أبيب، يمنح الأخيرة كامل حرية الحركة الأمنية والعسكرية في الأجواء والأراضي اللبنانية تحت شعار الضربات الاستباقية ومنع التهديدات المستقبلية، وهو تناقض مظهري صارخ يحقق للإدارة الأمريكية مبتغاها الدبلوماسي اللامع بإعلان التسوية وإرساء الاستقرار الشكلي أمام المجتمع الدولي، بينما يضمن في الوقت نفسه لحليفتها الاستراتيجية في تل أبيب عدم تقييد يديها ميدانياً أو تكبيل خياراتها الدفاعية والهجومية.
في المحصلة الختامية، يعكس إنجاز هذا الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ اليوم تبدلاً عميقاً وجوهرياً في حسابات الكلفة والعائد لدى صانع القرار في العاصمة الأمريكية؛ حيث باتت واشنطن ترى في استمرار المواجهة العسكرية المفتوحة في الشرق الأوسط استنزافاً حاداً ومزمناً يُعطل تفرغها الكامل للمواجهات الاستراتيجية الأكبر، ولا سيما الصراع الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي المحتدم مع القوى العظمى المنافسة كالصين وروسيا. لكن، ورغم كل الحبر والوعود التي خُطّت اليوم على أوراق الاتفاقية، يبقى المشهد الإقليمي العام محكوماً بنزاع خفي وصراع إرادات مستمر بين «البراغماتية» الأمريكية الصارمة التي فرضت هذه التسوية المؤقتة، و«الذرائعية» الإسرائيلية المتمسكة بعقيدة التفوق العسكري المطلق وحرية الحركة الكاملة، مما يجعل الرهان على استدامة هذا الاستقرار رهاناً مشروطاً ومعلقاً بمدى القدرة على ضبط الخروقات الذكية والتفاهمات المبطنة التي تحكم الميدان خلف الستار، والتي جعلت حتى أشد الحلفاء والصانعين للاتفاق محلياً يتريثون طويلاً قبل إعلان الانتصار الكامل أو فتح أبواب العودة الآمنة للديار.