
في كل الأنظمة السياسية والإدارية الرصينة، لا تُدار ملفات الفساد والتجاوزات عبر المنصات الإعلامية، ولا من خلال التصريحات النارية التي تتصدر الشاشات لساعات ثم تتبخر في زحمة الأخبار. فالقانون رسم مسارات واضحة للمساءلة، ومنح المسؤول التنفيذي والرقابي أدوات دستورية وإدارية وقضائية تمكّنه من اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أي مسؤول يثبت تقصيره أو تورطه في مخالفة أو تجاوز.
لكن بين الحين والآخر، يطل علينا مسؤول بتصريح مدوٍّ أو لقاء متلفز يتحدث فيه عن ملفات خطيرة وخروقات كبيرة وسرقات وتجاوزات لا يمكن السكوت عنها، ثم يطالب بإقالة هذا وإحالة ذاك على النزاهة أو القضاء. وهنا يقف المواطن متسائلاً: إذا كانت كل هذه المعلومات بين يديك، فلماذا ما زالت مجرد حديث إعلامي؟
المفارقة أن المسؤول نفسه هو جزء من المنظومة التي تمتلك الصلاحية أو القدرة على التحرك. فإذا كان يملك الأدلة والوثائق، فإن الطريق الطبيعي هو إحالتها على الجهات المختصة، لا تحويلها إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أو رسائل سياسية موسمية. أما إذا كانت تلك الملفات بهذا الحجم من الخطورة، فإن تأخير الإجراءات لا يضر بالمتهمين فحسب، بل يضر بالدولة وهيبتها ومؤسساتها.
المواطن لا يريد سماع عبارة “لدينا ملفات” بقدر ما يريد أن يرى نتائج تلك الملفات. لا يريد مؤتمرات صحفية، بل قرارات رسمية. ولا يبحث عن تهديدات مبطنة بفتح الأدراج المغلقة، بل عن عدالة تفتح أبوابها للجميع دون استثناء.
ومن الناحية الأخلاقية والقانونية، فإن التلويح الدائم بالملفات دون اتخاذ إجراء يضع صاحبه أمام تساؤلات مشروعة. فإذا كانت المخالفات حقيقية، فلماذا لم تُحال على القضاء؟ وإذا كانت الأدلة مكتملة، فلماذا بقيت حبيسة التصريحات؟ وهنا تتولد لدى الرأي العام انطباعات مؤلمة، فإما أن هناك عجزاً عن أداء الواجب، أو أن الملف يُستخدم كورقة ضغط ومساومة سياسية، وكلا الأمرين لا يخدم الدولة ولا المواطن.
لقد أصبح المواطن اليوم أكثر وعياً من أي وقت مضى. فهو يميز بين من يعمل بصمت ويحقق نتائج، وبين من يكتفي بإدارة المشهد الإعلامي. كما أنه أدرك أن كثرة التصريحات لا تعني بالضرورة كثرة الإنجازات، وأن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد المؤتمرات واللقاءات، بل بعدد القضايا التي وصلت إلى القضاء والأموال التي استعادت طريقها إلى خزينة الدولة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة بسيطة وواضحة: إن كانت لديكم ملفات، فضعوها أمام القضاء. وإن كانت لديكم أدلة، فترجموها إلى إجراءات. فالدولة تُبنى بالأفعال لا بالوعود، وبالقرارات لا بالتصريحات. أما الملفات التي تظهر في المواسم الإعلامية ثم تعود إلى سباتها الطويل، فقد أصبحت جزءاً من مشهد اعتاد المواطن مشاهدته، لكنه لم يعد يصدق نهاياته.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته: متى تتحول الملفات من عناوين على الشاشات إلى أحكام على أرض الواقع؟