رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الفهم ضرب من تحقق الموجود


المشاهدات 1255
تاريخ الإضافة 2026/06/14 - 11:05 PM
آخر تحديث 2026/06/19 - 1:43 AM

مفهوم الذات يتوفر على إمكان وجودي، يوفر هذا الإمكان الفهم وعملياته المختلفة: التفكير، والتساؤل، ومكونات التساؤل، والأفهام العلمية السابقة لهذا الفهم، وشبكة العلاقات بين مكونات الفهم، وبنية الفهم، ومنطق الفهم، وغيرها.

تفسير النصوص الدينية لا يمكنه أن يواصل حضوره إن لم يتأسس على تعدد الفهم وتنوعه، تبعًا لتعدد الأحوال والأزمان وتنوعها. تتوقف المعرفة عندما تكف عن توالد الفهم وتعدد المعنى وتنوعه. رفض التعدد والتنوع في الفهم يعني أن الواقع يلبث ساكنًا، والقرآن يظل صامتًا، لا يبوح برؤية يتكشف فيها المعنى الذي يستجيب لما تفرضه حياة الإنسان وأنماط عيشه المتغيرة.
كأن الإنسان مكث منذ لحظة وجوده في الأرض كما هو؛ لا يتحرك، لا يتحول، لا يتغير، لا يتطور، بينما واقع حياة الإنسان في الأرض يكذّب ذلك. الإنسان يختلف عن الحيوان، الحيوان يستمر كما هو في حياته مهما طال عمره، ولا يخرج على ما فعله نوعه بشيء. كل نسخة من ذلك النوع تكاد تطابق أول نسخة منه في كل شيء، ولا يتغير سلوكه، حتى لو مضت آلاف السنين وامتد وجوده إلى نهاية الحياة في الأرض. طبائع النمل مثلًا وسلوكه في تأمين قوته، وحماية نفسه، وحفر ملاذاته، كانت وما زالت وستبقى كما هي منذ وجدت أول نملة على الأرض.
تفسير القرآن، وتفسير الكتب المقدسة في مختلف الأديان، أفهمه فلسفيًا على أنه تحقّق أنطولوجي لذات تمارس الفهم. الفهم نمط من الوجود يتجلى فيه الموجود وينكشف، وتتحقق فيه الذات بطور وجودي جديد. التفسير لا يكشف عن معنى النص فحسب، وإنما يكشف أيضًا عن أفق المفسر وكيفية حضوره في العالم، والواقع. تكرار الفهم ذاته في كل زمان تعبير عن تكرار الموجود لذاته وتعطل صيرورته الوجودية، ذلك أن الوجود الإنساني يتشكل باستمرار في سياق خبراته وأسئلته وتحولاته التاريخية. كل فهم جديد ولادة جديدة للمعنى، وكل أفق تاريخي جديد يتيح إمكانات جديدة للفهم. وعندما يكفّ الفهم عن التعدد والتنوع تتعطل حركة المعرفة ونموها، ويخفت أثر النص في مواكبة الواقع المتغير. يظل النص غنيًا بإمكاناته الدلالية، غير أن استنطاق هذا الثراء مرهون بقدرة الإنسان على تجديد أسئلته وتوسيع أفق فهمه واكتشاف ما يستجيب لحاجاته الروحية والأخلاقية والجمالية والوجودية في كل زمان.
تكرار فهم واحد لآيات الكتاب الكريم في كل زمان ينتهي إلى تكرار المعرفة، وتكرار المعرفة يفضي إلى جمودها واستنفاد قدرتها على إنتاج المعنى. حين تتعطل المعرفة يغدو النص أسير قراءات موروثة لا تتجدد، فتتسع المسافة بين دلالاته الحية والواقع المتحول. لا يتغير النص، غير أن أسئلة الإنسان تتغير، وتتبدل أحوال المجتمعات، وتتنوع الوقائع والخبرات البشرية. لذلك تظل الحاجة قائمة إلى تجدد الفهم. القراءة المتجددة تستنطق ما تختزنه الآيات من إمكانات دلالية لم تكن مطروحة في أزمنة سابقة، وتكشف ما يلهم الإنسان في حياته المتغيرة من معانٍ روحية وأخلاقية وجمالية. أما الاكتفاء بتكرار ما قيل من قبل فيحجب قدرة الكتاب الكريم على الحضور الفاعل في حياة الناس، ويجفف منابع إلهام المعنى الديني التي تحتاجها الحياة في مختلف الأزمنة والأحوال والوقائع.
أبدية معاني القرآن وعبورها الزمان والمكان تتجلى في تعدد قراءاتها وتنوع فهمها، وتعدد الدلالات التي يكتشفها القارئ فيها، انطلاقًا من أسئلته الوجودية وآفاق وعيه ومناهج فهمه وقراءته. كل قراءة جادة تفتح أفقًا جديدًا للمعنى، وتكشف وجهًا لم يكن ظاهرًا من قبل، من غير أن تستنفد ما يختزنه النص من طاقات دلالية متجددة. لا ديمومة لفهم يدّعي أنه الفهم النهائي والأبدي للقرآن، فمثل هذا الادعاء يغلق أفق المعنى، ويعطل حيوية النص، ويحول بينه وبين مواكبة تحولات الإنسان وتبدل أحواله في مختلف الأزمنة والأمكنة. القرآن يظل حيًا بقدر ما تتجدد قراءته، ويتجدد حضوره في الوعي بقدر ما تتجدد الأسئلة التي يتوجه بها الإنسان إليه.
مفهوم الذات يتوفر على إمكان وجودي، يوفّر هذا الإمكان الفهم وعملياته المختلفة: التفكير، والتساؤل، ومكوّنات التساؤل، والأفهام العلمية السابقة لهذا الفهم، وشبكة العلاقات بين مكوّنات الفهم، وبنية الفهم، ومنطق الفهم، وغيرها. يبدأ الفهم بفهمنا لذواتنا، الذات مرآة تنكشف فيها لنفسها. هذا النحو من انكشاف الذات هو وجودها بطور جديد في كل عملية فهم، وتحقّقها داخل عملية الفهم التي تنتجها وجوديًا، أي إن الذات تشتبك وجوديًا مع النص حالة الفهم. الفهم يشاكل الذات، والفهم ضرب من تحقّقها بوجود جديد. هذه هي تجربة الفهم بما هي صيرورة وجودية يعيشها قارئ النص الحاذق.
كل ذات، في الوقت الذي تكتشف فيه النص، تتكشف هي أيضًا فيه، لذلك تتغير انطلاقًا من الفهم الجديد الذي تنتجه. نرى هنا معادلة أطرافها ثلاثة: «الذات – الفهم – التغير». تبتني صيرورة الفهم على منظارين عميقين أنطولوجيًا:
1. اختلاف الذوات.
2. اختلاف المنظورات.
ما تقدم ملخص شديد لرؤيتي لتنوع فهم القرآن الكريم وتفسيره، ومواكبة المعنى الديني فيه لتنوع العصور وتعددها. ومن دون ذلك لا يمكن القول باستمرار القرآن في إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة، تبعًا لاختلاف الأحوال والأزمان والواقع. وهي رؤية تتكشف فيها الإمكانات المعرفية والإبستيمولوجية للقراء، لبناء فهمهم المتجدد لآيات القرآن، وكذلك سائر الكتب المقدسة في الأزمنة المتوالية.
يستمد كل إنسان فهمه من ذاته ووجوده الخاص، وأحكامه السابقة، وأفق انتظاره. يتلون الفهم على الدوام بفضاء الذات وخبراتها. لا يًفهم الإيمان إلا في فضاء الإيمان، فما لم يتحقق الإنسان بالحياة الروحية ليس بوسعه تقديم فهم واضح لها. مثلما لا يفهم طبيعة الحب إلا مَن يتذوق الحب، ولا يفهم البهجة إلا مَن تشرق نفسه ابتهاجًا بالنور، ولا يفهم القلق إلا مَن يمزقه القلق. 
 تنكشف ذات المفسر في كيفية تلقيه للنص وتفاعله معه، وفي الكيفية التي يعيد بها بناء معانيه وفهم دلالاته. لا يقرأ المفسر النص بعين محايدة منفصلة عن تكوينه المعرفي وخبرته الحياتية، إذ تتدخل رؤيته للعالم، ومسلّماته الفكرية، وخلفياته الثقافية، وأفق انتظاره في تشكيل فهمه وتأويله. كل تفسير يحمل بصمة صاحبه، ويعكس جانبًا من شخصيته العلمية والروحية والوجدانية. يرى المفسر ما تسمح له رؤيته باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. النص الواحد قد يلد قراءات متعددة، لا لأن معناه متناقض، وإنما لتنوع تكوين المفسرين ومناهجهم وأسئلتهم وآفاق انتظارهم. 
لا يرى المفسر في النص إلا ما تسمح له ذاته والواقع الذي يعيش فيه باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. القراءة ليست استنساخًا لمعنى جاهز، وإنما هي حوار حي بين النص والقارئ والواقع، يتكشف فيه المعنى تدريجيًا، كما تتكشف فيه ذات المفسر. لذلك لا يخبرنا التفسير عن النص وحده، وإنما يخبرنا أيضًا عن الإنسان الذي يفسره، وعن رؤيته للعالم وموقفه من الحياة والإنسان والوجود، وعن حياته ونمط عيشه. في كل تفسير ينعكس شيء من أحلام المفسر وأسئلته وهموم عصره وتطلعاته، حتى يغدو التفسير مرآة للواقع ومرآة للمفسر في آن واحد. 


تابعنا على
تصميم وتطوير