رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هل تتحول العدالة الدولية إلى سوط في أيادي الكبار ؟


المشاهدات 1238
تاريخ الإضافة 2026/06/13 - 10:47 PM
آخر تحديث 2026/06/17 - 1:02 PM

استرعى قرار تعليق مهام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد كريم خان، بعدما أحالت الهيئة القضائية ملفه إلى المسطرة التأديبية، باهتمام كبير من طرف مختلف الأوساط القانونية والسياسية والحقوقية في مختلف أرجاء العالم، ليس بسبب الاقتناع بطبيعة التهم التي وجهت إلى المسؤول القضائي الدولي، والتي تعلقت بادعاءات مرتبطة بما سمي بـ (سوء السلوك الجنسي)، ولكن بسبب ما يعتقد علاقة القرار بخلفيات سياسية وبتصفية حسابات.
ويسود اعتقاد راسخ مفاده أن هذا القرار يتزامن مع تطورات سياسية محضة، انتهت بمواجهة عنيفة بين مؤسسة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية وحكومات دول عظمى، في مقدمتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التي بادر رئيسها في مرحلة حاسمة من مراحل هذه المواجهة إلى إطلاق العنان لاتهامات خطيرة ضد المدعي العام لهذه المحكمة وإلى إصدار عقوبات زجرية ضده، بما يمثل سابقة في تاريخ القضاء الدولي المعاصر.قرار تعليق مهام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في هذا التوقيت وبعلاقته بالخلفيات السياسية المرتبطة بتقديرات وبحسابات سياسية وجيواستراتيجية، يعيد طرح ما سبق أن تردد في مرات سابقة من إشكاليات حقيقية مرتبطة بأكبر وبأقوى هيئة قضائية دولية تصدر قرارات وأحكام ملزمة.
القرار يعيد طرح قضية استقلالية المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على إنفاذ القانون الدولي بغض النظر عن الجهة المعنية بالقرارات والأحكام الصادرة، وما إذا كانت هذه الهيئة القضائية تمتلك ما يكفي من عوامل القوة لمواجهة كل أشكال الضغط والابتزاز، أم أنها غير ذلك، وأنها تظل متأثرة وخاضعة للأوساط السياسية والاقتصادية القوية؟، وبذلك فإن الاستقلالية تظل رهينة معالجات قضائية تنتهي بقرارات قضائية تتخذ خارج ردهاتها، وصدور هذا القرار في هذا التوقيت يعطي مشروعية كبيرة وقوية لهذه القضية، ويعرض المحكمة الجنائية الدولية للحظة امتحان عسير، ومن المقلق القول إن مؤشرات مصير هذا الاختبار غير مطمئنة، لأن الحسم النهائي في القرار يوجد بيد جمعية الدول الأعضاء فيها بما يؤشر على وجود البعد السياسي في الحسم من طرف حكومات دول.
القضية الثانية التي يعيدها القرار إلى واجهة الاهتمام العالمي، ترتبط بمصداقية المحكمة الجنائية الدولية. فالمدعي العام لهذه المحكمة استند إلى دعوى رفعت أمامه من طرف دولة عضو في جمعية الدول الأعضاء وإلى تقارير صادرة عن أجهزة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة بما في ذلك محكمة العدل الدولية، وهي شكاية وتقارير تثبت وجود أدلة كافية على اقتراف جهة جرائم حرب وإبادة ضد مئات الآلاف من أشخاص مدنيين. وسبق للمحكمة الجنائية الدولية أن عالجت ملفات قضايا أقل خطورة مما عرض عليها هذه المرة، واعتقلت شخصيات سياسية وعسكرية من دول كثيرة، وأصدرت في شأنها قرارات وأحكام بالسجن، ولم تعترض أية جهة على إعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وبذلك فإن المصداقية التي روكمت من خلال مسار طويل من معالجة ملفات ثقيلة، تتعرض اليوم بدورها إلى امتحان عسير ويضعها على محك اختبار قدرتها على التعميم والمساواة بين الجميع، أم أن هذه المصداقية مسيجة بحدود الخلفيات السياسية والحسابات الجيواستراتيجية، بما يجعلها خدومة لمصالح القوى المتنفذة في العالم، تشتغل بانتقائية تستند إلى التمييز فيها بين إنفاذ القوانين الدولية على أساس اللون والعرق والجغرافيا والحسابات السياسية والاقتصادية، بما يحول العدالة الدولية إلى سوط في أيادي الأقوياء يستعملونها ضد مَن يخالفهم الرأي ويناهض مصالحهم؟!


تابعنا على
تصميم وتطوير