
لنعترف أولا أن ثقافتنا البيئية في العراق تكاد تكون صفرا على الشمال. لا أعرف السبب الحقيقي لكننا وعلى مدى قرون طويلة من الزمن لم نكن نعاني إختلالا في البيئة قبل أن يتغير كل شيء ليس عراقيا فقط، بل على مستوى العالم. ومع إنه أقيمت على ضفاف أنهارنا مدن وحضارات عبر العصور لكن لم يكن ذلك على حساب التنوع السكاني “أرياف، مدن”، ولا على حساب التنوع الحيواني “برية ومائية”، ولا على حساب التنوع الطبيعي “انهار، أهوار، براري، صحارى”. ففي أجواء مناخنا البارد شتاء اللاهب صيفا تعايشت الطيور بدءا من الدجاج الى البط الذي طالما دعوناه أن يسبح بالشط وإنتهاء بالأبقار والجاموس. وبعض وضع الجاموس بقي مرتبطا بالأهوار التي مرت بمرحلتين. مرحلة العمل السياسي ضد الأنظمة السابقة والتي عبر عنها اجمل تعبير الروائي حيدر حيدر وهو روائي سوري في روايته “وليمة لأعشاب البحر” التي تناولت إنتفاضة الأهوار 1967 ـ 1968 والتي ألقت الضوء على الأهوار لجهة التنوع السياسي والبيئي معا.
أما المرحلة الثانية، فهي تلك التي جعلت الأهوار رهينة ما بات يسمى حرب المياه أو النزاع حول المياه بين العراق وكل من تركيا وإيران لأسباب تتعلق بندرة المياه بسبب التحولات البيئية في العالم وما باتت تمثله من إنعكاسات خطيرة على البشر والحجر معا. وبسبب ذلك ونتيجة له تحول الاهتمام بالبيئة من مجرد حالات فردية أو تجمعات أو جمعيات الى حالة إنذار عالمية. ورغم أن العراق كان من بين أولى البلدان في المنطقة من أسس مؤسسة تعنى بالبيئة أطلق عليها “الهيئة العليا للبيئة البشرية” آواخر أربعينيات القرن الماضي لكن بقي الاهتمام ثانويا حتى بعد تأسيس أول وزارة للبيئة بعد عام 2003 . ومع أن الحاجة فعلية لهذه الوزارة لكنها وفي ظل ماتعانيه من قلة اهتمام وتخصيصات عينها بصيرة ويدها قصيرة كما يقال، وهذه بالتأكيد ليست مسؤوليتها وحدها بل مسؤوليتنا جميعا لأننا لم نرتق لا بالخطاب السياسي ولا الإعلامي الى مستوى المخاطر التي تحيط ببيئتنا ومنها مايحيط بنهر دجلة ومايتعرض له هذا النهر من مخاطر من شأنها الإخلال بالتوازن البيئي، وهو ماحذرت منه الوزارة مؤخرا بعد أن أطلق ناشطون مؤخرا “البط الداجن” والحيوانات الأليفة في نهر دجلة من دون أخذ الموافقات الأصولية. بيان لوزارة البيئة أوقف هذه الممارسة التي بدت إرتجالية، مبينا أن “إطلاق الطيور أو الحيوانات الداجنة في البيئات الطبيعية، ومنها نهر دجلة، من دون دراسة مسبقة قد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي من خلال المنافسة مع الأنواع المحلية أو نقل الأمراض والطفيليات أو التأثير في التنوع الأحيائي القائم”. بكل تأكيد أن مثل هذا الإجراء جيد، ويدل على حرص ومتابعة من قبل وزارة البيئة لاسيما في ظل العبث بالبيئة وبشكل غير مسبوق، ومن بينها دعواتنا الإرتجالية للبط أن يسبح بالشط من دون قيد أو شرط.