رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حيدر يزرع الأمل في الماء


المشاهدات 1187
تاريخ الإضافة 2026/06/08 - 10:26 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 8:38 PM

في زمن اعتدنا فيه أن نقرأ الأخبار عن التلوث والجفاف وتراجع التنوع البيئي، تبرز بين الحين والآخر مبادرات فردية تعيد شيئًا من الثقة بقدرة الإنسان على صناعة الفرق. ومن بين هذه المبادرات ما يقوم به الناشط البغدادي حيدر الأكرع، الذي اختار أن يجعل من نهر دجلة مساحة للعمل لا للشكوى، ومن الفعل البيئي رسالة تتجاوز حدود الكلمات.
فقد عرف عنه إطلاق أعداد كبيرة من البط في النهر خلال الايام الماضية، في خطوة هدفت إلى إحياء المشهد الطبيعي وإعادة بعض مظاهر الحياة التي ارتبطت تاريخيًا بضفاف دجلة. 
واليوم يواصل جهوده عبر حملة طموحة لإطلاق مليون سمكة في مياه النهر، في محاولة للمساهمة في دعم الثروة السمكية وتعزيز التوازن البيئي.
تكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تنقل الاهتمام بالبيئة من مستوى الخطابات العامة إلى مستوى المشاركة الميدانية، فالأنهار لا تحتاج إلى من يرثي حالها فقط، بل إلى من يبادر لحمايتها وإعادة الحياة إليها، وعندما يشاهد المواطن أسراب البط أو حركة الأسماك في الماء، فإنه يشعر بأن النهر ليس مجرد مجرى مائي، بل كائن حي يستحق الرعاية والاهتمام.
ومع ذلك، فإن التقييم الموضوعي لأي مبادرة بيئية يقتضي النظر إليها ضمن إطار أوسع. فإطلاق البط أو الأسماك يمثل خطوة إيجابية ومؤثرة من الناحية الرمزية والبيئية، لكنه لا يغني عن معالجة التحديات الأساسية التي تواجه النهر، مثل التلوث، ورمي المخلفات، وتراجع مناسيب المياه، فالبيئة منظومة متكاملة، وأي نجاح حقيقي يحتاج إلى تعاون المواطنين والجهات الحكومية والمؤسسات المختصة مع جهود المتطوعين والناشطين.
ما يميز مبادرة حيدر الأكرع أنها أعادت تسليط الضوء على دجلة بوصفه جزءًا من هوية بغداد وذاكرتها، فالنهر الذي ألهم الشعراء واحتضن حضارات متعاقبة لا يستحق أن يكون مجرد خبر عن أزمة جديدة، بل مشروعًا دائمًا للحياة.
إن قيمة هذه المبادرة لا تقاس فقط بعدد البط أو الأسماك التي أطلقت في المياه، بل بما تزرعه من وعي في نفوس الناس، فربما تكون أعظم سمكة أطلقت في دجلة هي فكرة أن المواطن قادر على أن يكون شريكًا في حماية بيئته، وأن التغيير الكبير يبدأ أحيانًا من مبادرة صغيرة يلقيها شخص مؤمن بفكرته في الماء، فتتسع دوائرها كما تتسع أمواج النهر نفسه.


تابعنا على
تصميم وتطوير