رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة


المشاهدات 1612
تاريخ الإضافة 2026/06/07 - 9:11 PM
آخر تحديث 2026/06/18 - 5:03 AM

تعمد الهوية المغلقة إلى التلاعب بالمعرفة؛ فبدلًا من أن تكون المعرفة سعيًا متواصلًا لاكتشاف الحقيقة، وأفقًا مفتوحًا للأسئلة والمراجعات النقدية، تتحول إلى أداة للدفاع عن الهوية وتبرير أخطائها وإخفاقاتها. ولا تكتفي بتسخير المعرفة لهذه الغاية، وإنما تعمل على غلق منافذ التساؤل والنقد، ومنع أية محاولة لتمحيص التراث خارج رؤيتها. كما تغذي الحنين إلى الماضي عبر التكرار والمبالغة، وتنسج له صورًا فاتنة في المتخيل الجمعي، تظهره عالمًا مضيئًا لا تشوبه عتمة، وتخفي ما فيه من تناقضات وإخفاقات. 
حقل العلم غير حقل الدين، وحقل المعرفة غير حقل الإيمان. وظيفة العلم غير وظيفة الدين، ووظيفة المعرفة غير وظيفة الإيمان، كما أن مهمة رجل العلم في الحياة تختلف عن مهمة رجل الدين. العلوم كونية، لا هوية دينية أو اعتقادية أو أيديولوجية لها. ولو حاول كل مجتمع أن يبتكر العلوم من جديد، ويشتقها في سياقات دينه ومعتقده وميراثه، بدعوى أن العلوم أسيرة بيئات منتجيها وثقافاتهم ودياناتهم وهوياتهم، لأفضى ذلك إلى تعدد العلوم والمعارف بعدد الهويات والأديان والمعتقدات والثقافات في المجتمعات البشرية. وهذا أمر يتعذر تحققه، فضلًا عن أن البشرية احتاجت إلى آلاف السنين حتى بلغت العلوم ما بلغته اليوم من تراكم ونضج. ويكذب هذا الزعم الحضور المكثف للعلوم والمعارف في العالم كله؛ إذ نجد العلوم ذاتها ماثلة في مراكز الأبحاث والتربية والتعليم والتكنولوجيا ومختلف مجالات الحياة، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أستراليا، أو بريطانيا، أو روسيا، أو فرنسا، أو الهند، أو الصين، أو اليابان، أو ماليزيا، أو إيران، أو تركيا، أو مصر، وغيرها من بلدان العالم. منطق التاريخ وقوانينه شاملان، غير أن شعورًا كامنًا في لاوعي كثير من الناس في مجتمعنا يوحي لهم بأنهم استثناء في حضارتهم وهويتهم ومعتقدهم وثقافتهم وتاريخهم، وكأن تاريخهم لا يخضع لما تخضع له تواريخ المجتمعات الأخرى من قوانين، وثقافتهم تتفوق على كل الثقافات، وتراثهم يختلف عن كل تراث، وهويتهم تنفرد بخصوصيات استثنائية. ظل هذا الشعور بالخصوصية والاستثناء يغذي الهوية باستمرار، حتى تصلبت وانغلقت على نفسها، وبلغت حالة تتخيل فيها أنها مكتفية بذاتها، وتعتقد أن كل ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدها به ماضيها. عندئذ يتحول التراث إلى منجم زاخر بكل ما هو ضروري للبناء والنهوض، وتتوهم هذه الهوية أن معارفها الموروثة تغنيها عن كل علم ومعرفة تبتكرهما المجتمعات الأخرى، بدعوى أن تلك المعارف منتجات أجنبية تنتهك خصوصيتها، وتهدد هويتها، وتقود إلى تغريبها. في إطار الهوية المغلقة الساكنة، يخفق الإنسان في تحقيق حضور حقيقي في عالم يتغير فيه كل شيء، لأن الحضور الفعلي يفرض عليه أن يتغير مع تغير العالم. لم تعد أسوار أية هوية تعاند التاريخ قادرة على حماية نفسها أو الإبقاء على كل ما كان كما كان، في عالم بات فيه التغيير شرطًا للبقاء. حين تنغلق الثقافة والهوية والحضارة على ذاتها، وتتوهم أنها نهائية ومكتفية، تدخل مسار التراجع والاندثار، وتتعرض للنسيان. لا معرفة حية مكتفية بذاتها، ولا ثقافة حية مكتفية بذاتها، ولا هوية حية مكتفية بذاتها، ولا حضارة حية مكتفية بذاتها؛ فالحياة تتجدد بالانفتاح والتفاعل، ويبدأ الأفول حين تنغلق على نفسها وتكتفي بما ورثته من ماضيها.
 كل هوية حية مركبة تغتني بالانفتاح والتفاعل مع غيرها من الهويات، وكل ثقافة حية مركبة تغتني بالتفاعل مع غيرها من الثقافات، وكل حضارة حية مركبة تنصهر فيها مكونات حضارات متعددة. لا تزدهر الحضارة إلا من خلال التفاعل الخلّاق للخبرات الإنسانية المشتركة، حين تلتقي في مركب أكثف ينتج أثمن ما أنجزه الإنسان في مسيرته الحضارية. موكب الحضارات عالمي ومحلي في آنٍ واحد. أما العلوم الطبيعية والعلوم الصرفة فهي علوم كونية، في حين يغلب البعد الكوني على العلوم الإنسانية، وإن ظلت تحمل بصمة العالم وثقافته وهويته. تعيد الهوية المغلقة بناء نظام معرفي خاص بها، وتحرص على تمييزه بلغة ومصطلحات خاصة، وتعمل على شيطنة المصادر الخارجية للمعرفة، خاصة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، عبر تشويهها وتقويلها ما لا تقول. وأحيانًا تستعير بعض نظرياتها ومفاهيمها، ثم تخلع عليها تسميات تراثية لتبدو وكأنها من إنتاجها الخاص. يتجلى ذلك في محاولات «أسلمة» بعض العلوم الإنسانية، كعلم النفس، حين يُعاد إنتاج كثير من مفاهيمه الحديثة بأسماء مستمدة من التراث الديني، من دون إضافة معرفية حقيقية، ويتكرر الأمر نفسه في غيره من علوم الإنسان والمجتمع.
يوظَّف المقدس في الهوية المغلقة أداةً لاحتكار المعرفة، فيتحول التراث إلى مرجعية وحيدة تُقاس بها مشروعية المعارف وقبولها أو رفضها. وتُستعمل لغة عاطفية مشحونة بمفردات من قبيل «الغزو الثقافي» لتوصيف كل معرفة تأتي من خارج التراث، مع تعبئة المجتمع ضدها. وقد أسهم هذا التحريض المتواصل على الفلسفة والعلوم الإنسانية في تعطيل الإفادة من مناهجها ومكاسبها في دراسة علوم الدين، حتى غدا التفكير فيها يدور في حلقة مغلقة، يبدأ حيث ينتهي وينتهي حيث يبدأ. عندما تتحول المعرفة العلمية إلى موضوع للإيمان أو العقيدة، تفقد طبيعتها النقدية وتغترب عن ذاتها. ما يسمى بـ»أسلمة المعرفة» وأشباهها محاولة لإضفاء هوية دينية على المعرفة، في حين أن المعرفة العلمية تنبثق من السؤال والمراجعة والتمحيص لا على التسليم المطلق. حين تتدخل الهويات المغلقة في العلم تخنق روحه الحية وتفسد آلياته من الداخل. ويُعد ما يعرف بـ»الإعجاز العلمي» أحد أبرز تجليات هذا التداخل بين الأيديولوجيا والمعرفة العلمية.كان إنكار الأبعاد الكونية للفلسفة وعلوم الإنسان من أعقد مآزق العقل الديني والقومي في عصرنا. وقد تجلى ذلك في مشاريع سعت إلى اكتشاف هوية دينية أو قومية للعلم والمعرفة، فاستنزفت الأموال والجهود من دون نتائج حقيقية. وتدفع نوستالجيا الهوية بعضهم إلى الدعوة لقطيعة مع المعارف الحديثة بدعوى تحقيق الذات الحضارية، مع أن سؤالًا بسيطًا يكشف هشاشة هذه الدعوى: كيف يمكن الاستغناء عن العلوم الحديثة، الطبيعية والإنسانية والتطبيقية، وهي التي تشكل اليوم البنية المعرفية المشتركة للعالم كله!
إدمان مديح الماضي والحنين إليه في أحاديثنا وكتاباتنا ليس إلا تعبيرًا عن الإخفاق في الحضور الفعلي في عالم اليوم بمنجز حقيقي، فمَن يعجز عن الحضور بمنجزه يلجأ إلى ما يوهمه بالحضور. مديح الماضي أحد أشكال استجداء الاعتراف من الآخر الذي يفرض حضوره في العالم بمنجزه، والحنين إلى الماضي يفضي إلى الضياع في أنفاق التراث والغرق في متاهاته، واستنساخ تجارب القدماء في كل شيء. عندئذ يكفّ العقل عن أن يكون عقلًا حيًا، ويتعطل التفكير عن التساؤل والنقد، ويستقيل الوعي من مسؤوليته التاريخية. التقليد مقبرة العقل؛ فعندما يستعير الإنسان وعي أسلافه ويفكر بعقولهم، يودع عقله في مقبرة التاريخ، ويعيش حاضره بعين لا ترى، وبفهم لا يلد معنى جديدًا.


تابعنا على
تصميم وتطوير