رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الاستثمار السكني بين الثقة والتشريع


المشاهدات 1898
تاريخ الإضافة 2026/06/02 - 10:06 PM
آخر تحديث 2026/06/12 - 4:32 AM

لم تعد أزمة السكن في العراق مجرد مسألة نقص في الوحدات السكنية، بل باتت مرتبطة بقدرة البيئة القانونية على بناء الثقة بين المواطن والمستثمر. فالتوسع الكبير في قطاع الاستثمار السكني خلال السنوات الماضية وفّر بدائل مهمة لمعالجة الطلب المتزايد، لكنه كشف في المقابل عن ثغرات قانونية لم تعد النصوص النافذة قادرة على استيعابها.
وتنبع المشكلة من أن المشاريع السكنية الاستثمارية لا تخضع للمنطق التقليدي للبيوع العقارية، إذ تعتمد في تمويلها على أقساط يسددها المشترون أثناء مراحل الإنشاء، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من عقد بيع اعتيادي. وفي غياب تنظيم قانوني واضح، برزت إشكالات تتعلق بضمان حقوق المشترين وآليات التصرف بالأموال ومصير المشاريع المتعثرة.
من هنا تتأكد الحاجة إلى مراجعة قانون الاستثمار بما ينسجم مع تطورات القطاع. فالمشكلة ليست في ضعف الإقبال، بل في محدودية الضمانات التي تمنح المواطن الطمأنينة عند توظيف مدخراته في مشروع قد يمتد إنجازه سنوات. وبما أن بيع الوحدات قبل اكتمال المشروع أصبح واقعاً اقتصادياً، فإن إدارة أموال المشترين تستدعي ضوابط أدق، بحيث تتحول هذه الأموال إلى دعم للمشروع نفسه لا إلى مورد مفتوح يُوجَّه إلى نشاطات أخرى. ولذلك يمثّل ربط السحب من الأموال المتحصلة بنسب الإنجاز الفعلية خطوة مهمة لتعزيز الانضباط المالي وحماية الأطراف كافة.
ويبقى مصير المشتري عند تعثر المشروع من أبرز مواطن القلق، فهو لا يملك أدوات الحماية المتاحة للمستثمر أو الجهات الممولة، ما يجعل مركزه القانوني أكثر هشاشة.
 لذا ينبغي النظر إلى تعزيز حماية المشترين باعتباره عامل استدامة للاستثمار لا عبئاً عليه، إذ تزداد قدرة السوق على جذب المشترين ورؤوس الأموال كلما ازدادت الثقة بالمنظومة القانونية.
في الوقت ذاته، لا ينبغي أن ينطلق تطوير التشريع من منطق الشك بالمستثمر، بل من تنظيم العلاقة بين الجميع؛ فالمستثمر الجاد يحتاج بدوره إلى قواعد واضحة ومستقرة تحدد التزاماته وتمنع المنافسة غير المنضبطة.
 إن التجربة العراقية ما زالت في طور التكوين، وقد أثبتت أن نجاح المشاريع لا يتوقف على الأرض والتمويل فحسب، بل على إطار قانوني يواكب تحولات السوق. 
والغاية النهائية ليست ترجيح طرف على آخر، بل بناء معادلة متوازنة تجعل الثقة أساس العملية الاستثمارية، وتحوّل أزمة السكن من تحدٍّ مزمن إلى فرصة للتنمية.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير